:: حاوره طارق نجم :: من عائلة شيعية خرّجت عشرات الرجال الذين خلفوا بصماتهم ولا زالوا في مجالات الفكر والشرع والفقه والعلم، وأثبتوا أنهم لا يهابوا المواقف الجريئة، جاء الدكتور هادي علي الأمين. باحث سياسي، هو اللقب الذي يفضله الأمين كوصف له، حيث كتب عشرات المقالات بكل حرية وبتمرد ظاهر على واقع الطائفة الشيعية، منتقداً من وضعوها ضمن اقفاص الأيديولوجية الجامدة والتقوقع المذهبي، ووجهوها في إندفاع أعمى نحو المجهول تلبية لأوامر تأتي من وراء الحدود. الدكتور الأمين خصّ موقع 14 آذار الألكتروني بحديث تناول فيه شجون وهموم المنطقة، محللاً بعمق توجهات حزب الله على المست� �ى الوطني والأقليمي وبأبعاده السياسية والأيديولوجية والأمنية. وقد حذّر الأمين من أنّ المجتمع-الدولة الذي أنشأه الحزب يشكل تهديداً على الدوام لمحيطه الوطني معتبراً أنّ أفضل أسلوب لمواجهة ثقافة السلاح هي الثقافة المدنية الوطنية. وفي حديثه، تحدى هادي الأمين النظام الإيراني أن يقوم بضرب إسرائيل وإزالتها عن الوجود إن كان صادقاً فيما يدعي، كما رأى في نظام الجمهورية الإسلامية ممحاة هائلة للأخلاق الإنسانية. لماذا تحويل الشيعة مجموعة متوحدين ومنفصلين عن أوطانهم؟ من خلال خبرته كمتخصص في الحركات الإسلامية والإسلام السياسي، يشدد هادي الأمين على أنّ "حزب الله كحركة سياسية إسلامية تورّط بتحويل الإسلام إلى إسلام سياسي، أي إلى قوة سياسية ضاغطة وفاعلة في المجتمع، أدت فيما أدت إليه إلى زيادة الفرز داخل البنية الإسلامية وتحويلها إلى تنظيمات ومجموعات حركية متصارعة، مرة تتصارع فيما بينها، ومرة تتصارع مع السلطة القائمة وعليها، ومرة تتصارع مع المجتمع. طبعاً، هذا من جملة الأمور المُهْلِكة التي تورط بها حزب الله، وهي إنتقاله من حركة إسلامية توعوية وظيفتها الإرشاد والتثقيف الديني، إلى حركة سياسية مسلحة، مرة ت� �اتل إسرائيل، ومرة تقاتل الدولة القائمة، ومرة تسعى إلى السلطة، ومرة تتدخل في شؤون دول أخرى، ومرات تنفذ مشاريع سياسية لدول خارج الحدود الجغرافية للبلد الذي تعيش فيه". ووصف الأمين مشروع حزب الله، "بأنه بلا شك ولا ريب مشروع ما يُسمى دولة الحق في المنطقة والعالم بكل أبعاده ومفاصله، أي مشروع الدولة الإيرانية والذي كان حزب الله أحد ناقليه من طهران إلى ساحل المتوسط، والخليج العربي، وأمريكا اللاتينية. وهذه العقيدة السياسية كي تتغلل في عقول الناس وتفعل فعلها في التأثير على سلوكهم السياسي والثقافي والنفسي والإجتماعي، فإنها تحتاج إلى رافعة دينية، أي عقيدة دينية متطرفة، خلاصتها، في حالة حزب الله، إنتاج عقلية شيعية لا تتلقى سوى عقائد الإضطهاد ومشاهد المأساة، وبالتالي جعل الشيعة مجموعة متوحدين يبحثون عن كينونة خ اصة بهم حالمين بمشروعين، الأول يقول بانفصالهم عن الآخرين المختلفين في أوطانهم، أما الثاني فيقول بإتصالهم مع باقي المستضعفين في الأرض بدولة العدل الإلهي المزعومة". وأشار هادي الأمين في حديثه إلى تصريح للأمين العام لحزب الله يقول فيه بأن حزبه أكبر بكثير من الطائفة التي ينتمي إليها مناصروه وأكبر من أي طائفة أخرى، بل هو أكبر من أي كيان سياسي قائم وبأن مشروع حزبه لا تنتهي أهدافه عند حدود لبنان مع فلسطين لأن ذلك لا ينسجم مع طموح حزبه وبناءه الفكري وحجمه ووهجه والإلتفاف الشعبي العظيم حوله. "ماذا يعني هذا الكلام؟ هل يعني أن حزب الله يتمدد إلى مصر ليؤذِّن في الناس؟ وهل يعني هذا الكلام أن حزب الله يتمدد إلى الخليج العربي لينصح الناس بوجوب أداء فريضة الحج؟ وماذا عن أمريكا اللاتينية، هل بناء المساجد في الإكوادور وإدارتها هو لتعليم الصلاة والصوم؟ أم أن تلك المساجد تُستعمل لوظيفة سياسية تتخطى موضوع العقائد الدينية لتصل إلى زرع بذور لعقائد سياسية حزبية لا تنتج إلا مزيدا من عدم الإستقرار؟ ماذا عن البرازيل، الأرجنتين، الباراغوي؟ ماذا عن أذربيجان؟ هل تواجد حزب الله في كل هذه الدول هو لخدمة الإسلام والمسلمين ودعوتهم للتقرب إلى الله عزَّ وجل؟ وعلى تقدير نزاهة الهدف، بماذا إستفاد المسلمون على وجه عام، والشيعة على وجه خاص، بماذا استفادوا كبشر لهم إحتياجاتهم ممن هو أكبر من حزب الله، أي الدولة الإسلامية في إيران؟ على كل حال، ومع الأسف، لقد استطاع حزب الله وبدعم مالي وسياسي وعسكري هائل، لا أن يروج لنفسه فحسب ، بل أن يحفر عميقاً في جزء لا يُستهان فيه من العالم، حيث الجهل مستفحل، والفقر مستشري، وحيث الدول أكثرت في التقصير اتجاه ناسها وشعوبها، وفي كل ذلك، إهانة للدولة الوطنية، وإهانة للإسلام والشيعة، وزج لهم في أنشطة لا يشرعها قانون ولا منطق". لا مسلكيات ولا مفردات حزب الله تغيرت وعن التحولات التي يحاول حزب الله تسويقها لتلطيف سلوكه السياسي خلال السنوات الأخيرة، أجاب الدكتور هادي الأمين "في الحقيقة، ثمة سؤالان لا مناص من طرحهما والإجابة عليهما في معرض تقدير حصول أي تحول مسلكي إيجابي ناتج خصوصاً عن الوثيقة السياسية الجديدة لحزب الله، الأول: هل فيما أعلنه حزب الله في وثيقته الثانية تخل عن ما ورد في وثيقته الأولى؟ أما الثاني: هل يعترف حزب الله في وثيقته الثانية بالسيادة الوطنية للدولة، كي نقول بأن تحولاً إيجابياً ما طرأ على سياسته؟" وأجاب الأمين "فعلى سبيل المثال، لا يستطيع القارىء لوثيقة حزب الله السياسية إلا القول بأنه كان من الأجدى لهذا الحزب أن لا يخرج، لا هو، ولا أمينه العام بوثيقة كهذه. ولعل الإبقاء على وثيقة عام 1986 يتيمة - وهم فعلياً بقوا عليها ولم يتراجعوا عنها - كان أصلح وأفضل. أقول ذلك لأن حزب الله لم يبدل تبديلاً في وثيقته الجديدة، اللهم مجرد الإعتراف بلبنان، لا كوطن تحكمه دولة سيدة، بل وطن يحكمه الحزب، وهو وطن يظهر في أفضل الأحوال أشبه بقطعة أرض مقتطعة لا يعيش عليها مواطنون أحرار، بل أهل وآباء وأجداد وأبناء وأحفاد وأقرباء وشهداء وضحايا وموتى. ثم، لم يبرز في الوثيقة الثانية ما يظهر إرادة في إعادة حياكة خطوط النسيج الممزقة بفعل الوثيقة الأولى، مع المحيط اللبناني والعربي والعالمي، بل ما برز هو انهمار مفردات جديدة أبقت على القديم من تعريفات حزب الله للإستكبار والغرب والشرق والجهاد والنصرة والهواجس والدولة، الدولة التي حدد شرط قيامها بشروط نسبية لا يمكن الحكم بتحقيقها، ما معنى الدولة العادلة والقادرة والقويّة والعزيزة والكريمة والمنيعة، أين تُصرفْ هذه المفردات ؟ وفي ذلك تشبث واضح بما قاله الحزب في بيانه التأسيسي عام 1986، ساعة وصف النظام اللبناني بأنه تركيبة ظالمة لا ينفع معها أي ترقيع ولا بد � �ن تغييره من جذوره ، ولا تراجع عن هذا التشبث إلا بتلبية شروطه لقيام الدولة". إن حزب الله لا يؤمن بسيادة الدولة اللبنانية لأن مشروعه يتناقض مع مشروعها يعرّف هادي الأمين سيادة الدولة "بأنها السلطة التي لا تقر بسلطة أعلى من سلطتها ولا بسلطة محايزة لسلطتها وهي سلطة الأمر والنهي دون أن تكون مأمورة أومكرهة من أي من كان على الأرض، وبأن أساس سيادتها يكمن أولاً في قدرتها على ضمان السلم المدني، والحماية للمقيمين تحت سلطتها من أي معتد خارجي. وفي وثيقة حزب الله، لا نجد ما يشير إلى أعتراف بهذه الشروط أو بعضها، بل نجد إصراراً "حزب الهياً" على التمسك بالسلاح ووظيفتيه الخارجية والداخلية مادامت الدولة القادرة غائبة. والسلاح هنا ليس ترفاً، بل سلطة قاهرة تحايز سلطة الدولة، وتشاركها الوظيفة في أفضل الأحوا� �". واستطراداً، تابع الأمين "فإنك ساعة تمعن في الوثيقة، ترى فيها تشديداً على التلازم العضوي بين الحزب-المقاومة والدولة، وبين الحزب-المقاومة والجيش، وكلّ هذا، مضافاً إلى كونه يقع برسم توظيف إيديولوجي يهدف إلى إجراء مطابقة إستباقية لرؤية حزب الله للدولة مع أي مشروع دولة قابل للتكون لاحقاً، فإنه ينسف أية سيادة محتملة للدولة الوطنية القائمة، وفي ذلك ثبات على الإنتهاكات السيادية التي سطرتها الوثيقة الأولى ولطفتها الوثيقة الثانية". وعن إمكانية التعايش بين مشروع ولاية الفقيه ومشروع الدولة، كان رأي هادي الأمين "لم يكن هناك تعايشاً بمستلزماته البديهية، بل تساكناً بمستلزماته الهشة. "أقول ذلك، لوجود إستحالة في تعايش فكرتين ومشروعين متناقضين، وهنا، كي لا نبقى نعيش المراوحة بين المَنَاحَة والمُكابرة، دعنا نسوق سوياً في مسعى متواضع إلى توضيح المقاصد والمعاني لهذا التساكن الهش، لا بل قل، الإنفصال القائم بين المشروعين، أي مشروع الدولة ومشروع حزب الله. لعل إنفصال حزب الله - بما يمثل من ذراع إستراتيجية لنظام ولاية الفقيه - عن الدولة، لم يكن مصادفة تاريخية لها شروطها السياسية، بل جوهرا ثابتاً، أو تلقائياً، مبني على الإستقلال في الأمن والإيديولوجيا والسياسة والثقافة والإجتماع والإقتصاد والفهم والسلوك. هذا على الأقل، ما تقوله التراكمات التاريخية التي تكونت منذ نشوء حزب الله، والذي يتمثل واقعاً في الضاحية الجنوبية لبيروت، التي عاشت، بل كانت مسرحاً، الى جانب الجنوب اللبناني، لتراكم أمني وسياسي واجتماعي ونفسي وثقافي واقتصادي صارا من خلاله أمراً واقعاً، أي "دولة واقعة " تعصى على التجاهل". "إقتصاد الضاحية السيادي" له وجه عسكري وأمني، يخلق جواً معادياً لمحيطها وأضاف هادي الأمين بحديثه عن دولة حزب الله "أنّ هذه الدولة، والتي أسسها حزب الله طبعاً، كان الهدف من تأسيسها واحداً من أمرين، أو قُلْ، الإثنين معاً: إما " تنغيص " عيشة الدولة الطبيعية، أو الإنطلاق من شبه دولة تحتل لاحقاً كل الدولة". في الأول، فإن "استحباب " تنغيص عيشة الدولة ، ينطلق من الحاجة الى وجود دولة لبنانية قابلة للإهتزاز أبداً، لا بل مهتزة مهترأة هرمة، ذلك أن حزب الله لا يستطيع العيش، بسبب تركيبته والأهداف، لا يستطيع العيش الى جانب دولة طبيعية مستقرة. أما في الثاني، فإن "وجوب" السيطرة والتوسع والإستئثار، مثلثُ النظرية الإيرانية، يستدعي الإنطلاق بهيكلية دولة مصغرة، تكون معبراً للإمساك لاحقاً بكل مفاصل جارتها، أي الدولة اللبنانية. وكي تكتمل صورة الدولة بهدفيها، متحدين أو منفصلين، خلق حزب الله لدولته أُسُسَ وجودها واستمراريتها المادية، وقام محاولاً صنع هوياتٍ ثقافية لمناصريه خاصة في معمله الإيديولوجي بحيث تفرقهم عن إخوانهم من اللبنانيين، معملٌ، أقل ما يُقالُ فيه، مُتْقَنُ الأداء. ولاحظ معي، لم يقتصر المعملُ الإيديولوجي هذا على صنع هويات مختلفه عن اللبناني الآخر، بل توسَّع لكي يصبع معملاً أمنياً بذراعين طويلتين، واحدة تغلق الضاحية، تنظم أمنها، وتحولها الى ثكنة عسكرية ممنوع على أجهزة الدولة دخولها، والأُخرى تسرق حرية الناس وتمتد خارج حدود دولة الضاحية لتعتدي على هيبة الدولة متى استدعت الحاجة فعل ذلك. هذا المعملُ توسَّع أيضاً ليصير معملاً إقتصادياً يُوَّزعُ مغانم "إقتصاد الضاحية السيادي" على المنتسبين اليه من الناس، وذلك عبر المصالح الإقتصادية الكبرى التي أنشأها بحجة دمج فئات المجتمع الكادح وإشراكهم في دورة إقتصاد حلال يستفيدون من خلالها". هذه المشهدية، بحسب هادي الأمين، "قد خلقت وزرعت في نفوس مناصري حزب الله، وعن قصد طبعاً، وأوجدت جواً معادياً لمجرد فكرة وجود دولة لبنانية طبيعية وسيدة، مُغرقة وطامرة إياهم في مستنقع مذهبي وطائفي ضيق يملأ عليهم وعيهم. وتابع "على كل حال، صارت هذه "المعامل الثلاثة" حقائق تفرض نفسها بقوة، لا بل قلْ، تهدد وجود الدولة اللبنانية، ناهيك عن عبثها الواضح بالسيادة وضربها بعرض الحائط مكوناً أساسياً من مكونات الدولة الطبيعية. ولعل هذه "المعامل" الثلاث تفيض عن حاجتنا للإستدلال على أن حزب الله يساكن مكرهاً الدولة اللبنانية، لا بل ينفصل عنها دون إشهار. من ه� �ا المنطلق أنا لا أرى أي إمكانية للتعايش، بل أرى أن حزب الله يستعين بحقائق دولته ويرسخ وعياً إجتماعياً وثقافياً وسياسياً وأمنياً جديداً يكون بمثابة تجسيد أبدي لهوية لقيطة يحفرها على جباه اللبنانيين، وإذا لم يُجابَه بصلابة وحكمة وروية في آن فإن هناك خطراً يقول بانفراط عقد الدولة اللبنانية". الثقافة المدنية هي أفضل أسلوب لمواجهة ثقافة السلاح هادي الأمين كان قد طرح من قبل فكرة المقاومة الثقافية لمواجهة ثقافة السلاح، فهو يعتبر أنّ "ثقافة السلاح هي مشروع يكتسب الأتباع والأنصار عبر الحشد والتجييش العاطفيين، وفي هذا خطر على لبنان، أي قابلية لفناء الحضارة اللبنانية الأصيلة في حضارات جهادية وقتالية وثورجية مستوردة لا علاقة للبنانيين بها. كيف يُواجه هذا الخطر؟ بالسلاح؟ قطعاً لا. باستعمال ذات الأساليب؟ قطعاً لا. إنّ مقاومة هذا الخطر ومواجهته يكون حتماً باعتماد أسلوب مغاير تماماً، أي مقابل ثقافة الحشد والتجييش ومخاطبة الوجدان، يجب اعتماد ثقافة مدنية تتعمم بالتكوين والتربية والتثقي ف العلمي والسياسي الرصين، ثقافة تخاطب العقل وتحيل كل الأمور إليه. هكذا نصل إلى تأسيس مقاومة ثقافية، جدواها في أول الأمر ونهايته، حماية لبنان، الهوية اللبنانية، والمواطنيين اللبنانيين وخصوصاً اللبنانيين الشيعة منهم. أقول ذلك، لأن حزب الله بمحاولته ربط اللبنانيين الشيعة فيه، فإنما يورط بذلك المجتمع اللبناني برمته، ويعرض الهوية اللبنانية المسالمة إلى الخطر. فحزب الله بهذا الفائض من القوة الذي لديه، وبالعقلية الثورية التي تستحكم به، وبالمشروع العالمي الذي يخطط له، يُلحِق نفسه شاء أم أبى بركب تنظيم القاعدة الذي نُبذ من السنة في العالم الإس� �امي وبالتالي لم يستطع إلحاقهم به وبمشروعه وجعلهم جمهوراً مطيعاً يلجأ إليه كما يدفع ثمن إرهابه في العالم، أما في حالة حزب الله، ففي حال إسقاط التُهم الموجهة إلى تنظيم القاعدة عليه، فالكارثة ستقع حينئذٍ على اللبنانيين الشيعة بوجه خاص وسيصبح مذهبهم مذهباً مطارداً في كل العالم، وستقع الكارثة أيضاً على اللبنانيين عموماً، سنة وموارنة ودروزاً وكاثوليك وأرثودوكس بوصفهم مواطنيين يتشاركون في ذات الهوية مع مناصري حزب الله ومع عموم اللبنانيين الشيعة، ناهيك عن الكارثة التي ستقع على الشيعة بوجه عام وتهدد سلامهم الجسدي والإقتصادي والمعنوي وكل ذلك بسبب زجهم في أنشطة غير مشروعة. من هنا ولكل هذه الأسباب دعوت إلى مقاومة ثقافية لثقافة السلاح، أي تكوين لوبي مدني يحصن الإجتماع الأهلي والنظام السياسي والهوية اللبنانية قبل حلول البلاء". إيران ممحاة هائلة للأخلاق الإنسانية ما يجري من أحداث قمعية في إيران دفع هادي الأمين إلى وصف الجمهورية الإسلامية بـ "ممحاة هائلة للأخلاق الإنسانية” وأضاف "وفي الحقيقة، لا يفاجئني سلوك هذا النظام، ولا استعماله أميركا ذريعة لتبرير ما يرتكبه من قمع بحق الناس. ذلك أن سلوكه لطالما كان مرتعاً خصباً لضروب من الخلط والتداخل التلفيقي فنراه يقول الشيء فيما يعني ويفعل غيره. هنا، تكفينا العودة إلى بعض من تاريخ هذا النظام لنكتشف ذلك، ولنكتشف كيف أن "الأمة" التي سارت بداية خلفه وتدعمه، كانت ضحية انتعاش غير مشروع لأوهام القيادة العادلة ودولة الحق. منذ اللحظة الأولى لولادة هذا النظام، قام ق� �ئده بإعطاء نفسه صلاحيات تجاوز فيها الصلاحيات الموكلة للإمام الغائب المعصوم، فمنح نفسه ، على ما يقول بعض الفقهاء، سلطة التصرف بالدماء والأموال في محاولة رهيبة لإسكات كل صوت مخالف. هذه السلطة التي منحها لنفسه، شرّعت سطوة النظام وظلمه، فإعتقل وقتل ووضع في الإقامة الجبرية حتى رجال دين يُشهدُ لهم بالفضل والعلم، وطبعاً هو نفسه لا زال يُنكِّل برجال دين وعلماء مخالفين من ذات المذهب ناهيك عن التنكيل الحاصل لعامة الناس. أما في ما خص المخالفين من المذاهب الأخرى، أو قل المهادنين ، كالعشرين مليون سني مثلاً، فمنعهم من المشاركة في الحياة السياسية، أو من اختيار ممثلين لهم، ولم يحصل حتى تاريخه أن عيّن منهم وزيراً أو سفيراً، ومنعهم حتى من بناء المساجد ولا زال، كل هذا الظلم وكل هذا الهضم لحقوقهم وهويتهم يحصل في ظل نظام إسلامي يدعو ليل نهار إلى الوحدة الإسلامية، لا بل يؤسس مجامع للتقريب بين المذاهب!!! هذا فيما خص بعض سلوك هذا النظام في الداخل، أما في الخارج، فيكفي استعراض بعض من نشاطه في لبنان لنعرف مدى الظلم الذي وقع. كلنا يذكر الحرب الشيعية الشيعية، وكم من الأبرياء سقط بسبب حلم النظام الإيراني بالتوسع والسلطة والنفوذ، ولعل بعض اللبنانيين الشيعة يتذكرون تصريحاً شهيراً لأحد سفراء هذا النظام يو م سأل وأجاب: كم عدد الشيعة في جنوب لبنان؟ مليون؟ فليكونوا شهداء فداء للثورة الإسلامية في إيران! هذا مضافاً إلى الظلم الهائل الذي لحق بلبنان عموماً واللبنانيين الشيعة خصوصاً جراء إستعمال الجنوب اللبناني ساحة لتصفية الحساب مع أمريكا وإسرائيل ومسرحاً لإختبار فاعلية الصواريخ الإيرانية الصنع. على كل حال، إستعراض بعض من هذا التاريخ، هو للقول بأن الظلم الحاصل الآن في إيران، هو في الحقيقة جزء من حركية هذا النظام، وبأن أي نظام يذهب بعيداً في إعتماد الظلم سبباً لبقاء السلطة والحكم، فإنما يفعل خلاف ذلك تماماً، إذ أنه يعجل في سقوطه والرحيل، سقوطٌ ورح� �لٌ لا تؤخره تضخم الذات الحربية، ولاحتى عمامة تقبع تحتها تبريرات إيدولوجية." إذا كانت إيران تريد محو إسرائيل... فلماذا التأخير؟ والثأر لعماد مغنية هدفه شحذ الجماهير علق الأستاذ الأمين على أجواء المنطقة التي تنذر بحرب "بأنّ شرارتها الأولى لن تكون بضربة إسرائيلية لإيران وبل العكس...هنا أضيف الإحتمال الذي يتحدث عن ضربة إيرانية لإسرائيل تزيلها من الوجود، وما الحديث عن هذا الأمر إلى التمويه على مدارك الناس. ثم، إذا كان في الضربة الإيرانية هدف إزالة، فلماذا التأخير إذاً؟؟ في الحقيقة، إن إيران هي عاجزة جداً عن الذهاب إلى إحتمالين: التسوية والحرب. لن تستطيع التسوية كي لا تقف مقام الضعيف أمام الثورة الخضراء وهي لأجل ذلك رفضت الحوافز التي عرضتها الدول الست، ولن تستطيع الحرب لعلمها بأن لإسرائيل الغلبة فيها. با� �فعل حظوظ الحرب قائمة بتوقيت إيراني، ولكن دور البطولة فيها سيلعبه حزب الله الذي سوف لن يتورع هذه المرة عن إستعمال كل مساحة الوطن للبناني كمنصة صواريخ، خصوصاً أنهم مستعدون لمحو أجيال وأُمم، والصلاة على جثامينها وإلتزام بناء مقابرها، وكل ذلك، مقابل حماية مقامه الشريف وقيادته الملهمة. جنَّب الله اللبنانيين سكرات القوة وأهازيجها، وجنَّب الوطنَ طيش الجبروت الفوضوي". ورأى هادي الأمين في الوعود التي أطلقها الأمين العام لحزب الله بالثأر لمقتل عماد مغنية مجرد شعارات هدفها "شحذٌ همم مسلحيه ومناصريه، إلاَّ أنه مركزياً هناك أسئلة تطرح نفسها: من الذي يحدد المسؤول عن مقتل مغنية؟ هل هو الحزب بوصفه ناظماً لأمره وغير ملتزم بأي تحقيق قضائي يصدر عن السلطات القضائية السورية؟ وهل أخذ الثأثر لمقتل مغنية يعني القيام بأعمال إرهابية قد تستدعي حرباً ضروساً على لبنان؟ على كل حال، في وعود الأمين العام لحزب الله بالثأر, إرسالٌ للقول بغير تقييد، وتأكيد للفعل بلا تحديد، وفي ذلك خطرٌ شديد. للننتظر ... لعل مصيرنا والبلد وبلاءنا الآتي رهنٌ بتوقيت إيراني".
|