?????? ????????

        

أصالة الطائفة عَرَضيّة الدولة في لبنان

بيانات سياسية

التيار في الإعلام

كلمــة وموقـف

الرسالة الأخبارية

أنشر مقال أو تعليق

مواقــع صديقــة

فتاوى وأحكام

 

  

محمود حيدر

لا يكاد ينختم فصلٌ في السجال الطوائفي في لبنان، حتى يبتدئ فصلٌ آخر بوتائر وألوان جديدة.. هذه المعادلة باتت تقليداً تاريخياً لا ينازعه في أمره منازع، سواء في زمن الاستقرار أو في الأحوال اللبنانية المضطربة.

 

الأزمة الحالية المتمادية في البلاد لا تفارق مسارات التقليد الذي أشرنا اليه، لكن الطوائفية في السجال المتزامن مع هذه الازمة، سوف تظهر على أكثر صورها وكلماتها احتداماً. كما لو أن قدراً قضى بأن تستعاد ثقافات الطوائف في كل لحظة تطرح فيها الأسئلة المصيرية المتعلقة بلبنان، حتى لقد تحولت استعادة الثقافة الطوائفية والكلام على إعاة إنتاج العقد السياسي والاجتماعي الى ضربٍ من أيديولوجية لبنانية عصيّة على الموت والاندثار.

 

 

الايديولوجية الطائفية

لو بحثنا في السبب الذي جعل التقليد الطائفي يتحول الى ايديولوجية صمّاء، يلتزم بها المختلفون والمتحاربون في آن، لكان لنا أن نورد هنا ملاحظتين مركزيتين:

 

{ مؤدى الملاحظة الأولى: ان الطوائف في لبنان ليست مجرد تفريعات مذهبية لكل من الديانتين الاسلامية والمسيحية، وإنما هي وحدات سياسية اجتماعية وثقافية شكّلت مجتمعة أساس ظهور الكيان اللبناني في الربع الأول من القرن العشرين المنصرم.

 

{ مؤدى الملاحظة الثانية: ان طوائف لبنان لا دين لها، وهي تخوض غمار اللعبة السياسية. أي أن الحاكم على سلوك ممثِّليها في الحكم ومؤسسات الدولة، هو تقاسم السلطة وفقاً لميزان التمثيل بين المسلمين والمسيحيين. في حين لا يتعدى تدخل الدين والشريعة في السلطة حدود السماح للمؤسسة الدينية بالوعظ وممارسة الطقوس والشعائر. وبهذا المعنى لا يمكن قراءة نص الدستور اللبناني سواء ذاك الذي ورد في اتفاق الطائف أو النصوص الدستورية التي سبقته، إلا بصفة كونه دستوراً هو أقرب الى الوضعية العلمانية منه الى الدستور الديني.

 

وهذا يعني في التحليل الأخير أن الدولة بالنسبة الى الطوائف التي اجتمعت لتؤسس لبنان التاريخي، ليست سوى إطار ناظم للميثاق السياسي فيما بينها.

 

على مضمون هاتين الملاحظتين سنرى كيف تشكّلت العناصر التأسيسية لما يسمى «الايديولوجيةاللبنانية»، وهي ايديولوجية تعود في تشكّلاتها الاولى الى ما قبل تأسيس لبنان الكبير في العام 1920. ولنا هنا أن نعود قليلاً الى الماضي:

 

لقد فتح انهيار الإمبراطورية العثمانية المجال لتحولات جذرية في لبنان والمنطقة، أدّت إلى صدام مباشر بين فكرة لبنان الكبير وفكرة الدولة العربية الكبرى، فناصر الفكرة الأولى عدد كبير من رجال السياسة والدين والأعمال الموارنة في حين ناصر الفكرة الثانية عدد كبير من رجالات سوريا السياسيين والعسكريين، ومعظم الساسة المسلمين في المناطق التي ضمت في ما بعد إلى جبل لبنان.

 

 

انهيار وعد الدولة العربية الكاملة

كانت فكرة الدولة العربية مجسّدة بقيادة الشريف حسين الذي كان قد أسس حكومة في دمشق. أما الساسة الموارنة، فاستندوا إلى تجربة المتصرفية الناجحة نسبياً للمطالبة بتوسيع حدود الكيان اللبناني وضم بعض السواحل الخصبة وسهل البقاع إليه. وفي إثر المجاعة التي ألمت بالجبل خلال الحرب الكبرى، والتي أودت بحياة أكثر من ربع السكان، تصاعدت حدة المطالبة بتوسيع حدود لبنان بحجة توفير الأمن الاقتصادي والغذائي. وبعد فترة من الأخذ والرد تجاوبت السلطات الفرنسية مع المطالب المارونية، وكان تجاوبها لإرضاء الموارنة وطمأنتهم من ناحية، ولإضعاف الحرمة العربية من ناحية أخرى. فأعلنت فرنسا إنشاء دولة لبنان الكبير عام 1920، الذي ضمّ مناطق من ولايات طرابلس ودمشق وصيدا سابقاً إلى منطقة جبل لبنان، فضلاً عن ضم بيروت. وقد رحّب أكثرية من المسيحيين بهذا القرار في حين ندد به أكثرية المسلمين. وفي مرحلة ما بين الحربين قامت مجموعة من المثقفين، كان يتصدرها ميشال شيحا، بمحاولة بلورة هوية أو حتى عقيدة وطنية تتناسب مع الدولة الوليدة المتعددة الطوائف. فالفكرة اللبنانية التي قوّمها شيحا وزملاؤه كانت تقول بلبنان ليبرالي يؤوي جميع الأقليات، وتتشارك السلطة فيه الطوائف والمجموعات المختلفة، وتتفاعل على أرضه المسيحية مع الإسلام والغرب مع الشرق بشكل سلمي وإيجابي؛ وتقول بلبنان الذي يعود إلى الفينيقيين ذلك القوم المغامر المتاجر، المتعدد الأعراق والأجناس، الذي نقل الحرف إلى جميع أنحاء العالم. ولكن فكرة الهوية الفينيقية لم تلق جمهوراً واسعاً، في حين أن الفكرة القائلة إن لبنان بلد متعدد الطوائف ويتحلى بالحرية السياسية والليبرالية الاقتصادية لاقت قبولاً وانتشاراً واسعين في مرحلة ما بعد الاستقلال. وعلى الرغم من كل ما حصل خلال السبعينيات والثمانينيات فلاتزال هذه المجموعة من الأفكار والأوصاف عن لبنان هي الأكثر قبولاً وانتشاراً، وهي تلخص بعض الأسس والمبادئ التي يجتمع عليها عدد كبير من اللبنانيين.

 

 

التعلق بالطائفة والمذهبية

لم يأخذ بعض الزعماء المسيحيين بالنظرة الشيحاوية للبنان، فتعلّقوا أكثر بالجذور الطائفية أو المذهبية لفكرة لبنان وبمسألة أمن المسيحيين في وجه أكثرية مسلمة سائدة في المشرق العربي، في حين مشت أكثرية النخبة الحكومية المسيحية مع الطرح الشيحاوي. وقد تبين أن المخاوف حول المصير المسيحي والأمن المسيحي كانت أقرب إلى كونها مشاعر المسيحي العادي. فالأحزاب التي ركزت على مخاوف المسيحيين لاقت تجاوباً ومشاركة شعبية أكبر من التجاوب والمشاركة اللذين لاقتهما أحزاب وزعامات أكثر اعتدالاً.

 

في الحالين لم تقدِّم الفكرة اللبنانية الكثير إلى المجموعات المسلمة. ولا ريب في أن الناحية الليبرالية للفكر الشيحاوي لاقت تجاوباً في أوساط الطبقات العليا والوسطى لدى جميع الطوائف، لأن نشاطها التجاري والاقتصادي يتجانس مع الطرح الليبرالي. ولكن بوجه عام لم تلاقِ مفاهيم مثل الأمن المسيحي أو الدعم الغربي أو الخصوصية اللبنانية قبولاً وترحاباً ملحوظين لدى الأوساط المسلمة، فترك الفكر اللبناني فراغاً كبيراً لدى مجموعات واسعة من اللبنانيين، وقد ملأ هذا الفراغ في مراحل مختلفة فكر القومية العربية أو القومية السعودية أو الماركسية الثورية أو الاشتراكية الناصرية أو الأصولية الإسلامية.

 

 

الجبرية الجغرافية

لم يكن الوجه المميز لمنظومة ميشال شيحا الفكرية في ما تقدّمه من أطروحات في حقول الوطنية والقومية السياسية والاقتصادية والاجتماع والعلاقات الدولية والدين والأخلاق فحسب، وإنما في تقديم منهجية متكاملة لما سُمِّي بـ “الفكرة اللبنانية”. وهي الفكرة التي ذهب عدد من المفكرين المعاصرين إلى إعطائها بعداً فلسفياً تأسيسياً للبنان. وعلى ما يبيِّن الباحث والمفكر اللبناني فواز طرابلسي فإن الفكرة اللبنانية هذه تصبح مكتملة القوام في ما يطلق عليه بـ “الجبرية الجغرافية”.

 

وتتمثّل هذه الفكرة بالدمج بين الدور الاقتصادي والكيان اللبناني، وبلورة مجموعة من المبادئ في الليبرالية الاقتصادية المغالية التي جرى تفصليها على مقاس الاقتصاد اللبناني ذي الوجهة الخارجية والقاعدة الخدماتية (...).

وبهذا أرسى شيحا – حسب طرابلسي – منظومة فكرية سوف تشكل مرجعاً ودليل عمل لعقود من الزمن.

 

وفي حين قُدِّر له أن يضع موضع التنفيذ عدداً لا يستهان به من أفكاره والمشاريع، بات يعرف بأنه أحد المهندسين الرئيسيين للنظام السياسي والاقتصادي الذي أرست قواعده في العهد الاستقلالي الأول.

 

كان ميشال شيحا الداعية الكبير للفكر الكياني. وكان يريد للبنان أن يكون قيمة وجودية قائمة بذاتها. وقد تبلورت هذه الرؤية انطلاقاً من قاعدة جيو-فلسفية تقول “أن الجغرافيا تخلق التاريخ وتتحكّم بمصائر الأمم واستراتيجياتها”، وهذا ما يسميه أيضاً بـ “طبيعة الأشياء”

 

وهكذا تقوم منظومة شيحا الفكرية على ما يمكن تسميته بالنظرة الجغرافية الشمولية إلى العالم والحياة. وهي نظرة تقول بمبدأ رئيسي لتفسير الظواهر والأحداث، وتدعي وجود علِّية حاسمة للتاريخ وحتمية وحيدة الوجهة، وهو مبدأ يصلح وضعه في إطار مبدأ “الحتمية الجغرافية”.

 

يقول شيحا في تعريفه للبنان “أنه بلد لا يشبه إلا ذاته. هذا ما يجب أن ندركه مرة واحدة وإلى الأبد، إنه بلد متفرِّد، وحيد نوعه وجنسه.

 

 

التعريف المزدوج للبنان

هذا التعريف سوف يشكل النواة اللبنانية. إذ عليها ستقوم منظومة الأحزاب المسيحية الكبيرة في ما بعد، كحزب الكتائب، والوطنيين الأحرار، والكتلة الوطنية. ناهيك عن الأحزاب والتكتلات والمجموعات الحزبية التي نشأت في بدايات الحرب الأهلية في العام 1975.

 

ولو نحن عرضنا بصورة إجمالية للمفاصل الأساسية التي انبنت عليها العمارة الأيديولوجية لتلك الأحزاب لوجدناها متماهية ومتناغمة مع ما ذهبت إليه منظومة ميشال شيحا الفكرية، وهي المنظومة التي ركّزت على تعريف جغرافي مزدوج للبنان:

 

{ الأول: أن لبنان بلد يقع على مفترق الطرق لقارات ثلاث هي أوروبا، آسيا وأفريقيا.

 

{ الثاني: أن لبنان هو كيان قائم على وحدة البحر والجبل.

 

في التفسير الذي يقدمه الباحثون للفكر الكياني الشيحوي، أن المكانة الاستثنائية التي يحتلها البحر ورمزيته في منظومة ميشال شيحا الفكرية، بل في محاولته التوليف بين رمزيتي الجبل والبحر في إطار من التراتب في الأولويات بينهما، يكمن إسهامه المميَّز في تكوين الفكر والأيديولوجيا الكيانية اللبنانية. وبهذا المعنى يتحكم الموقع والمكوّنات الجغرافية للبنان عنده بحضور جوهري وثابت على امتداد التاريخ. فلبنان الأبدي الحضور في التاريخ هو بلد “قديم قِدَم العالم”، والماضي اللبناني دائم الحضور في حاضره، وسوف يستمر حاضراً في مستقبله كما في مستقبل العالم.

لم تكن الصفة الرسالية التي منحها ميشال شيحا للبنان مجرد عارض كلامي اقتضته شروط السجال الذي احتدم بين النخب المسيحية اللبنانية عشية التحضر للاستقلال في العام 1943.. بل هي بالنسبة لفلسفته السياسية كائن جوهري لا يستقيم الكيان الجديد من دونه. واللاّفت أن شيحا وعدد آخر من المفكرين المسيحيين أمثال يوسف السواد وميشال قرم وسواهما راحوا يعملون على إجراء توليف ومصالحة بين نزعتين متناقضتين في بناء الدولة والمجتمع، هما العلمنة والدين. وهو الأمر الذي بدا بوضوح في إحدى المحاضرات ألقاها شيحا حيث لاحظ أن الكنيسة قد تنفصل عن الدولة، ولكن لن يستطيع أحد أن يفصل الدولة عن الله. ويضيف، أنه فيما يتعدى الجماعات والأحوال الشخصية يوجد في الدولة، الحضور الضروري للذات الآلهية الخالدة.

 

مثل هذا التوليف الذي وجد نظائره في الجدل الذي اشتعل في أوروبا مع بدايات التنوير في القرن السادس عشر بين اللاهوت المسيحي الرسمي والمفكرين العلمانيين، سوف يوظّفه شيحا ورفاقه في إطار التنظير للأيديولوجية الطائفية. أي باعتبار الطائفية هي مبرر وجود لبنان.

 

لعل العنصر الأهم في تشكّل الايديولوجية الطوائفية هو الاتفاق، على أصالة الطوائف من جانب معظم الذين انخرطوا في السجال حول الفكرة اللبنانية. كذلك اتفاقهم، ولو على قاعدة «المظنون به على أهله». على كون الطوائف مجتمعة هي الوعاء الذي يحوي وينتج ويعيد إنتاج الولاية السياسية للدولة والمؤسسات والمجتمع الأهلي.

 

 

تلك واحدة من الأفكار التي يتخللها السجال اللبناني الراهن، من دون أن يبلغ بعد مآلاته المنشودة.

 

 

 

حقوق النشر   |   إتفاقية إستخدام الموقع ومواده الإعلامية    |   لنشر مواد إعلامية   |    للإعلان في الموقع 

الرئيسية  التيار وفروعه  |  في السياسة  |  في الدين  |  نشاطات عامة  |  دعم الموقع  |

 طلب إنتساب  |  صور للتنزيل  |  إتصل بنا