معروف أن كل حكم فردي،
وتسلطي، يحاول، دائما، تعليق كل مشاكله على
شماعات متعددة غير الشماعة الحقيقية، الوحيدة،
وهي شماعته هو نفسه. غير أن السطة الطاغية، في
دمشق تتميز عن قريناتها، الاستبدادية، بغبائها
المستحكم، وجهلها المركب. ولا
يبدو انها في وارد
التخلص من هذه الصفات التي هي بمثابة الفطرة
في أهم شخصياتها.
فإذا كان التاجر المفلس
يعود الى دفاتره القديمة لعلها تسعفه في
استرداد بعض الديون القديمة يستعين بها لإبطاء
مسيرته نحو الهاوية فإن النظام المفلس في دمشق
لا يتوفر حتى على هذه الدفاتر، حتى يؤمل النفس
بالعودة إليها. لذلك تراه يبحث في قمامات
النفايات البشرية عن مجند مغمور في أجهزته
أقعده العوز وأضناه التسول لينفخ فيه بعض
الروح عله يكون قادرا على نفث بعض السموم ينظر
اليها كما لو كانت واقية له من النهاية
المحتومة، والتي يرى نذرها، وعلاماتها، اينما
ولى وجهه، وحيثما بحث عن الملاذ الآمن.
واذا التقى العته
الحقيقي، والمجازي، مع الغباء والعمى السياسي،
فلا غرابة في أن يعتقد الغبي أن تجنيد بعض
خفافيش الظلام، وغربان الشؤم يمكن أن يبعد عنه
مصيره المحتوم. فهو ينسى ولسوء حظه، ولغبائه
بالذات، أن ملازمي القمامات البشرية ليسوا
أكثر وزنا، وصلابة من القمامات اياها في وجه
أي ريح تعصف. إذ من المعروف أن القمامة،
وحدها، هي التي تغادر مكانها كلما هبت عليها
الريح من هذا الجانب أو ذاك.
إن الحناجر المبحوحة
والاقلام المرتزقة مهما كثرت وعلا ضجيجها أو
أهرق حبرها لا تلغي غباء الطاغية ولا يمكن أن
تحوله إلى إنسان سوي بين عشية وضحاها، كما لا
يمكن أن تحجب عن الشعب هذه الحقيقة. لكن، لا
أعتقد أن الطاغية يدرك هذه الحقيقة. وليته
أدركها ليريح الناس ويستريح في موقعه الحقيقي
. فلا هو في مستوى القيادات والرموز الكبيرة
من أوزان الدكتور رفعت الأسد، ولا هو قادر على
إدراك أن حلم الكبار لا يزري به نعيق هذه
الغربان التي تتشوف أكثر ما تتشوف إلى التحلق
حول الجيف علها تنال نصيبا تسد به الرمق
لتكون قادرة على إعادة الكرة نعيقا. وفي
الحقيقة، فإن إدراكه للبون الشاسع بين ما هو
ملازمه من الثرى وبين ثريا الكبار، هو الذي
جعله يتخبط بهذه الطريقة التي لا يتخبط بها
بعض من لا يتجاوز عمرهم العقلي أربع سنوات.
وبما أنني أربأ بنفسي
أن أزيد على أعباء وأثقال الغبي ما لا طاقة له
به فإنه حري بي أن أتساءل وأعتب في آن واحد:
أتسلءل، لماذا لم يحسم
الدكتور رفعت الأسد أمر هذه الطغمة، في الوقت
المناسب، وهو القادر على ذلك بفعل قوة الشعب
السوري الشقيق الذي كان ينتظر من قائده إشارة
البدء في معركة الحسم. فلو فعل، لقطع دابر
الغباء والفساء والاستبداد في آن واحد، ولمكن
الشعب السوري من العيش في مستوى الشعوب والامم
الحرة. بل أقول إنه لو فعل لكان مسار العلاقات
اللبنانية السورية مسارا آخر يسوده الاحترام
والتعاون والسلام لا الهيمنة والعدوان بمختلف
أشكاله وتجلياته.
وأعتب على الدكتور رفعت
الأسد كونه، وهو العارف بخبايا الأمور، لم
يفضح أمام الملأ، ومن زمان، غباء وفساد وتفاهة
زمرة الحكم التي تلجأ كلما شعرت بقرب النهاية
الى تسخير كمشة متخلفة من الناعقين الفاشلين
حتى في ميدان هم مجبولون عليه.
إنني كلبناني متابع لما
يجري في بلدي وفي الجارة سورية قد أدركت، ومنذ
فترة طويلة، أن الممارسات الطائشة، والنزقة
للسلطة، الاستبدادية، في دمشق، ستؤدي، اذا ترك
لها الحبل على الغارب، الى تدمير سورية وتدمير
لبنان، وإلى مزيد من التخريب في جسم التضامن
العربي الذي يعاني، أصلا، من أمراض كثيرة جراء
ممارسات أمثال سلطة دمشق.
ولأن الأمر بهذه
الخطورة، فإن على القيادات الوطنية، في سورية
الشقيقة، أن تبادر إلى وضع حد للمهازل التي
أصبحت السلطة اللامشروعة رمزا لها قبل وقوع
المأساة الكبرى، لا قدر الله. وإننا لنأمل في
أن يحسم الدكتور رفعت الاسد الموقف تفاديا
لمزيد من الكوارث وانقاذا لشعب سورية العظيم
مما يحيق به من مخاطر وإراحة لشعبي اللبناني
من هواجس الفتن الاهلية والمخاوف الامنية التي
تغذيها أجهزة مخابرات النظام السوري من حين
لآخر.
علي ملحم
التيار الشيعي الحر