|
قالوا: إن الله قد أنعم على شعبنا السوري بمجيء شاب
يافع الى السلطة متحرر من كل اثقال ممارسات الماضي في
الوقت الذي أعلن فيه اعتماد منهج الاصلاح على كل
المستويات. لم نكن من المقتنعين بأقوالهم لكننا كنا من
الذين يؤمنون بضرورة ترك الوقت للوقت حتى تتبين الامور
وتتبدد شكوك المتشككين. إذ من شأن الممارسة كشف حقيقة
الوعود حتى ولو اتخذت شكل قسم كان من المفترض عدم
نكثها. ومرت السنوات تلو السنوات وتوضحت حقائق الامور
لمن له عين ترى وعقل يحاكم الوقائع وآذان تسمع أنين
شعبنا تحت وطأة أعباء الفقر والعوز والقمع بمختلف
أشكاله.
بعدئذ،قلنا لهم: إنكم تبشروننا بالبقرات السمان السبع
والشعب لا يرى غير البقرات العجاف التي تجاوز عددها
الى الآن السبع وقد أتين على أمل غير العارفين بحقيقة
صاحب سلطة الامر الواقع في سوريا وعلى كل النوايا
الحسنة التي استقبله بها عدد من مواطنينا السوريين
البسطاء الطيبين المستعدين للصفح ومغفرة الاخطاء متى
تبين لهم أنها قد ارتكبت دون قصد وتأكدوا من ارادة
التعديل والاصلاح لدى مرتكب تلك الأخطاء..
لكنه بعد مرور كل هذه المدة يجد السوري نفسه أمام واقع
صارخ بأنه لا حصاد يعتمد عليه لسد الرمق الاقتصادي
والسياسي والاجتماعي وللحم الوحدة الوطنية. ولا أمل
يحفز على انتظار الفرج على يد صاحب سلطة الامر الواقع
لانه أشرف بنفسه على تبديد كل شيء دون ان يبدو عليه
انه مدرك لخطورة ما تقترفه يداه وأيدي بعض زبانيته من
أخطاء بل وخطايا في حق الشعب والوطن والأمة.
قيل لنا انه طبيب الرؤية، والثقة في الطبيب جزء أساسي
من عملية الشفاء، فانتظرنا أن يتعامل مع المستقبل كما
يتعامل الطبيب البارع مع العيون التي دبت اليها
الشيخوخة صيانة وحماية لها من التدهور على مر الايام،
غير أننا اكتشفنا ولسوء حظنا ان صاحب سلطة الامر
الواقع يعاني هو نفسه امراض الشيخوخة المبكرة،
والطفولة المتأخرة في آن واحد، نتيجة تشوهات خلقية أو
بسبب تسويته على عجل ليشغل منصب صاحب سلطة لا يملك
منها غير الاسم. كدت أقول إنه ليس في مسرحها الا دمية
صغيرة تحركها أيادي حولت السلطة في دمشق الى نوع من
مسرح العرائس.
قيل لنا إن الرجل تلقى تربيته في الغرب وأنه من الذين
تعاملوا مبكرا مع الاعلاميات وأجهزة الكومبيوتر،
فقلنا، لا بأس، فلعله يدخل الى بلدنا الى جانب هذه
التقنيات المتطورة عقليتها التي بها تقدم الغرب فننال
حسنى التقنية، وحسنى عقليتها، معا، في مختلف المجالات،
وبذلك نتقدم على طريق تجاوز معضلات التخلف على مختلف
المجالات.
غيرأن الحصاد هنا هو حصاد شوك. فعبقري المعلوماتيات
ومورد الكومبيوترات هو الذي حجب المواقع الالكترونة،
ولجأ الى ترسانة من الاجراءات الرقابية، وجعل ملاحقة
مالكي هذه الاجهزة احدى مهام الدولة لأن صاحب سلطة
الامر الواقع لا يستطيع ان يتقبل مراسلة، خاصة وحرة،
عبر البريد الالكتروني بين مواطنيين دون ان تمر تحت
اعين جيوش المخبرين الذين تضاعف عددهم بعد اكتشاف عالم
الكومبيتر، واقتناء بعض من تسمح لهم امكانيتهم المالية
بعضا من هذه الأجهزة.
وقد تساءلنا، وكلنا براءة، وطيبة، المواطنين السوريين،
عن السر في التحول من التبشير بازدهار المعلوماتية في
بلدنا الى هذه الفاقة وهذا الضمور الذي هو أشبه
بالموت؟ ولم نكن لنصدق ما كان يقوله بعض من كنا نعتبر
انهم يبالغون في الانتقاد، كما كنا نعتقد انهم ينطلقون
من مواقف سلبية مسبقة، من صاحب سلطة الأمر الواقع،
لولا ان الحقائق التي أصبحت امام الجميع بعد كل هذه
السنوات العجاف لم تعد تقبل الجدل والانكار وفي
مقدمتها أن ما يريده صاحب سلطة الامر الواقع من
الكومبيوتر هو جانب اللعب والتسلية، وبعض اللهو، الذي
يوفره للمواطنين حتى يتحولوا عن التفكير في واقعهم،
ومراراته الكثيرة، للغرق في نوع من التفكير في الواقع
الافتراضي الذي يمنع التفكير في المستقبل، كما منع من
التفكير في الواقع.
فلعل صاحب سلطة الامر الواقع يريد أن يحول ابناءنا الى
مدمني اللعب ليتخرجوا على درجة كبيرة من العته
والبلاهة بشكل مؤكد ومضمون، وإلا فما معنى حجب المواقع
الاخبارية، عن المواطنين، وماذا يعني إنشاء شرطة
الكومبوتر، اذا لم يكن العمل على اختزال الجهاز في
بعده الآلي المحض، وفى ما يوفره مناخ الدعوة الى اخذ
القدوة من صاحب سلطة الامر الواقع، الذي تتحدث الركبان
بسيرة علاقاته مع الكمبيوتر وما يوفره من ابداعات في
ابعاده عن هم التفكير في واقع المواطن السوري ومستقبله
على السواء. الم يقل القدامى: ان الناس على دين
ملوكهم؟ إذن، وأخذا بروح هذه الحكمة المأثورة، فلا
ينبغي استخدام هذه الاجهزة في مجالات تتجاوز استخدام
صاحب سلطة الامر الواقع لها، فيها حتى يتحقق التلاحم
الوطني ويعم الانسجام بين الراعي والرعية.
ويبدو ان صاحب سلطة الامر الواقع، اصبح يملك متسعا من
الوقت يسمح بأن يتفنن في هذا المجال. فلا أجندة سياسية
لديه في الواقع، بعد أن دمر علاقاته العربية والدولية
واختزلها في عدد تبدو فيه اصابع اليد الواحدة غابة
متشابكة الاشجار أمامها. لذلك ترى أن هذه العلاقات قد
قفزت من الالف الى التاء دفعة واحدة لتراوح مكانها مع
حرف الحاء كما لو أن هذه هي ابجدية لغة خطاب صاحب سلطة
الأمر الواقع. والأدهى من ذلك والأمر هو أن هذا
الانكفاء لم يترافق مع اي انفتاح على الداخل للاستقواء
بأبناء الشعب وتعزيز قوى الصف الوطني.
بل إن صاحب سلطة الامر الواقع بدلا من، ذلك، عمد الى
تدمير كل مقومات الجبهة الداخلية والقضاء على جل
مكتسبات الشعب السوري.
قيل لنا ان الرجل طيب وان من حواليه هم الاشرار، ولا
ينبغي، بالتالي، مؤاخذته على ما لم تقترف يداه.
وكان بودنا ان نصدق، وكم حاولنا الضغط على أنفسنا
لتصديق هذه الدعوى، لكن سلسلة من الممارسات على
المستوى الداخلي وعلى مستوى السياسات الخارجية كذبت
الدعوى على أكثر من مستوى وعلى عدة أوجه.
الا يسمع صاحب سلطة الامر الواقع انين الجائعين الذي
يكشف ان ممانعته وهم مفضوح، لا يمكن لأحد أن يصدقه
بعده. اذا كان هو نفسه يصدقه اصلا؟
الا يقرا صاحب سلطة الامر الواقع تقارير الخبراء
الاقتصاديين والسياسيين الوطنيين والدوليين التي تعطي
بين الفينة والاخرى ارقاما مخيفة، تكشف مدى التقهقر
الذي يعاني منه الاقتصاد الوطني؟ أم أنه يعتقد أن الزج
ببعض الاكاديميين في السجون وتجاهل تقارير الخبراء
الدوليين كفيل برفع الحالة والغاء الواقع؟
ألا يحسن، صاحب سلطة المر الواقع، استخلاص العبر من
تجارب الشعوب التي دكت اركان الديكتاتورية، والاستبداد
دكا رغم ان المتسلطين كانوا يعتقدون انهم في منأى عن
المساءلة والمحاسبة وان حصونهم تقيهم شر هبة شعوبهم؟
فلماذا يترك خلاصات تقارير الخبراء لفائدة السهر على
تجييش زمرة من المبخرين المنافقين الذين ما أن يشعروا
بأن موازين القوة قد بدأت تختل لصالح هذه الجهة او تلك
حتى ينفضوا من حوله بسرعة البرق لان اعناقهم لا تشرئب
الا الى حيث مصالحهم الشخصية.
ثم هل ينقذ صاحب سلطة الامر الواقع من غضب الشعب حين
يهب هبته الاكيدة تعليق كل آثامه، المباشرة، او غير
المباشرة على شماعات الآخرين؟
فالشعب يملك عيونا داخلية لا يعتورها الرمد ولا ينفذ
الى اليها القذى. ربما تكون هذه الحقيقة غائبة عن طبيب
العيون، واذا كان الأمر كذلك فإن حالته ميؤوس منها كما
يقول زملاؤه الاطباء في تشخيص حالات بعض المرضى.
يقال إن السياسة عاقة على سبيل المجاز لان بعض الاخطاء
الكبرى في التقدير قد تؤدي الى ابطال مفعول العمل
والانجاز الذي نسب الى المخطىء فما بالكم اذا اقترن
العقوق المجازي بالعقوق الحقيقي والفعلي؟
إنه الكارثة المحققة.
فصاحب سلطة الامر الواقع عندما اصيب بداء ما منعه من
النظر الى المسقبل قرر أن ينظر الى الوراء لكن ليس
لأخذ العبر من الماضي البعيد والقريب وإنما لأغراض
اخرى يمكن اعتبارها نوعا من التدمير الذاتي، ذلك أنه
قرر استخدام معول الهدم في ما لم يساهم في بنائه لانه
كان في سن لا تسمح له بالبناء، ولما أصبح فيها تعامل
مع الحالة الوطنية برمتها تعامل الجاهل. فالانسان عدو
ما جهل. وصاحب سلطة الامر الواقع جاهل بحقيقة هذا
الماضي.
ولو توجه الى الاخطاء، التي ارتكبت لاصلاحها لنال رضى
والده المرحوم حافظ الأسد، ولوجد عمه الدكتور رفعت
الاسد مناصرا، ومؤازرا، ولحظي كل مشروع اصلاحي يبادر
اليه بالتفاف الشعب.
لكنه على ما يبدو قرر ان يأتي على الصالح، ويدمر
الايجابي، وهو بذلك لن ينال الا سخط الوالد ومعارضة
القائد ورفض الشعب.
وهل هناك عقوق أخطر من الجمع بين العقوق السياسي
والانساني والتاريخي؟
هذا مجرد همس في أذن صاحب سلطة الامر الواقع لتذكيره
بأن أبواق الشتيمة والاسفاف، التي يسخرها للنيل من
القيادات الوطنية وفي مقدمتها الدكتور رفعت الأسد، لا
يمكن ان تغير الواقع، كما لا يمكن أن يغطي عليه
ضجيجها، الذي لا يتجاوز بعض التندر في بعض المجالس
الخاصة. فأن تخرس أولى بك وبها، وأجدى. أم انك فقدت
حتى هذه القدرة أيضا؟ إنه لأمر مثيرللشفقة حقا. ومن
الواضح أن اللعبة أكبر من قدراتك على الاستيعاب.
فلا حول ولاقوة الا بالله.
منذر الساعاتي
المكتب الإعلامي
بيروت في
30-4-2008
|