?????? ????????

    

سؤال التجديد في كتاب "نحو تجديد الفكر القومي" للدكتور رفعت الأسد

بيانات سياسية

التيار في الإعلام

كلمــة وموقـف

الرسالة الأخبارية

أنشر مقال أو تعليق

مواقــع صديقــة

فتاوى وأحكام

 

 

بقلم حسن السوسي

الفكر القومي ليس فكرا، مجردا، ليس فكرا، خالصا، فحسب، وإنما هو ممارسة، أيضا. أي، هو، واقع بأحد المعاني.

 

هو خطاب الواقع، وخطاب عن الواقع، في آن معا. هو عقل الواقع، وهو الواقع المعقول، في آن واحد. أي انه لا حديث، هنا، عن انعكاس، سلبي، أو، ميكانيكي، حتى في الوقت الذي نسلم فيه بأن الفكر يختزن، ويكثف من محددات الواقع، ما يجعله قادرا على أن يدل عليه، ويمكن من تمييزه عن فكر آخر، ضمن شروط ولادة، مخالفة ومباينة. لا تضاد، ولاتناقض، في قلب هذا التحديد. فليس للفكر مسار مفصول، تماما، ومقطوع الجذور عن مسار الواقع. بل هو منه، وإليه هو مكون، صميمي، من مكوناته، وإن وجب الاعتراف بأن لكل منهما منطقه الخاص الذي يتطور على أساسه، ويشتغل وفق مقتضياته، والا اختلطت الأمور، وساد الالتباس الذي يمنع التعرف على هذا، وذاك.

 

 هذه هي الدلالة، الحقيقية، لعنوان المقالة السابقة في هذا الركن: "جدل الفكر وجدل الواقع"، في كتاب "نحو تجديد الفكر القومي" للدكتور رفعت الأسد.

 

 حضور هذا البعد، إذن، أمر حيوي لصياغة النظرية المعرفية، وضروري لاستيعاب الواقع الذي هى مدعوة للتأثير في سيرورته، ومساراته، وتحويل معطياته وفق نظرة جديدة، ومتجددة إليه. لا يتعلق الأمر، هنا، بإعادة إنتاج القديم، وإنما بالقطع معه، في بعض مستوياته وقضاياه، ومع مقولاته، ومع محدداته المنهجية والفكرية، وتبعاتها العملية.

 

 قد يقول البعض: إنه انجاز للقطيعة الابستمولوجية من حيث كونها تؤشر على الاستيعاب والتجاوز، معا. وهذا صحيح، إلى حد كبير، لكنني أود، هنا، التمسك بالمصطلح الذي اختير في هذا العنوان وهو "تجديد". والتجديد، في سياق كتاب الدكتور رفعت الأسد، ليس شيئا آخر غير مسألة تجديد ابداعي، يتوخى الارتقاء بالفكر القومي، وبالممارسة التي ينبغي أن تأتي على مستواه، لا سيما في مناخات التنافس بين الامم، والحضارات، ولا أقول في أجواء "صدام الحضارات"، حتى لا أكرر دعوى المفكر الأمريكي،  صامويل هانتنغتون التي لا أقول إنها خاطئة، بشكل مطلق، ولا زائفة، بشكل مطلق، وإن كان ممكنا الحديث عن الأخطاء الكثيرة التي تعتورها في طابعها التأكيدي القاطع، وعن بعض الزيف الذي يخالطها، متى تم النظر بعمق الى طبيعة التطور التاريخي للحضارات حيث التفاعل، والاخذ، والعطاء، من سمات العلاقات الجوهرية بينها، حتى في الحالات التي تبدو فيها هيمنة احداها على الأخرى هي الطابع البارز، في كثير من الجوانب الاستراتيجية والاقتصادية والسياسية والثقافية والعسكرية.

 

ولايمكن الارتقاء بالفكر القومي اعتمادا على رفع شعار ضرورة الارتقاء به، والاكتفاء بما توفر من ارادة قوية لانجاز هذا الشعار اليتيم في الواقع. بل، إن هذا الارتقاء لا يتحقق، بالفعل، إلا بتوسل مفاهيم، ومعطيات، تتداخل، في أبعادها، الجوهرية، تداخلا، جدليا، بحيث تتبادل احتلال مواقع الاولوية، ضمن شروط الواقع، الملموس، للشعب والامة، وبحسب حاجاتهما، بين فترة وأخرى، والتي بدون تحقيقها، وإنجاز ما هو جوهري منها، تحدث الفجوة في السيرورة التاريخية للمجتمع، وتتعوق عملية الارتقاء المنشود، وتوصد أمامها أهم أبواب التطور، وتخذلها مقومات التقدم.

 

وتعتبر مفاهيم العدل، والسلام، والحرية، في كتاب الدكتور رفعت الاسد قاطرة الدفع، والمحرك الحيوي، في عملية الارتقاء في الفكر القومي، لسبب بسيط، غير أن دلالاته من العمق، والغنى، بمكان في عملية البناء النظري المعرفي وهو غيابها في نوع من الفكر القومي الذي قدم للشعب، والأمة كما لو أنه مكتف بذاته، ولذاته،وانه يكفي اعلان الانتماء اليه، أو فرض هذا الانتماء بالاكراه، والتسعف، على من لا يشاطرونه تصوراته حتى تعيش الأمة الازدهار والرفاه، وتبني إطار وحدتها، الشاملة، التي تمكنها من ولوج ساحات المنافسة، والمواجهة، عند الاقتضاء، مع أن حقيقة الأمر، وكما برهنت على ذلك ممارسة عقود، طويلة، من رفع شعارات اعطاء الاولوية للفكر القومي، وضرورات تجسيده، على أرض الواقع، غير ذلك. بل وعكس ذلك، تماما، كما يتضح من أي وصف للحالة، السائدة، بعد مرور كل هذه الفترة الزمنية الطويلة، من رفع تلك الشعارات، والعمل على فرضها، على الافراد، والجماعات، عن طريق القمع، والاحكام العرفية، والمحاكم الاستثنائية، والمحاكمات السياسية الصورية، حيث لا يحترم القانون في روحه ولا نصوصه بما في ذلك الصريحة منها.

 

لذلك تجد أن المقولات، التي تشكل المحور الذي تدور حوله فصول الكتاب، ترفع من شأن تلك المفاهيم في ترابطها، وتفاعلها، الحي، الى درجة يمكن معها القول: إن بعضها يشرط البعض، الآخر، بحيث لا يمكن تصور فكر قومي حقيقي ما لم يترافق، أولا، مع مفهوم العدل، في بعده الانصافي، بين قومية وأخرى، وفق مفهوم الآدمية القومية التي تحيل اليها مقولات الدكتور رفعت الأسد، وفي بعد احقاق الحقوق، بين مكونات المجتمع الاجتماعية والسياسية، في نظام سياسي يقوم على التعددية، ويعمل على صيانتها من خلال فتح المجال، واسعا، امام ممارستها، ضمن اطار قانوني، واضح، يؤطرها، ويضمن للممارسة السياسية توازنها، واتزانها، في التعاطي مع قضايا الخلاف التي تضفي عليها ممارسة الديمقراطية طابعا بناء على جميع المستويات.

 

وما لم يترافق الفكر القومي، ثانيا، مع تحقيق مقومات السلام الاجتماعي والوطني. وليس خافيا على أحد الدور المحوري الذي يلعبه تحقيق العدل والانصاف في هذا المجال.

 

ولا يمكن الحديث عن فكر قومي جدير بهذا الاسم، ثالثا، إذا لم تكن الحرية أرضية اشتغاله، وبيئة نموه، وتفاعله، وسياجا له ضد كل أشكال التعصب، والتطرف، على اعتبار أن الحرية المرتبطة بالعدل، والسلام، ضمن تصور قومي، ديناميكي، يستلهم الأصل الآدمي، وينفتح على تطوراته، عامل محدد، ومؤشر على الطبيعة المميزة  للفكر القومي القابل للحياة، عن فكر لا مستقبل له، غير الانحدار الى درك التخلف، والتعصب، والتطرف، ولو ظل يكرر أنه هو الفكر القومي الخالص، كما هو واضح في الايديولوجيات السياسية التي حولت الفكر القومي الى مبرر للاستبداد، والديكتاتورية، والشمولية، ومصادرة الحريات والاعتداء على الحقوق واختزال السلام في استقرار مفروض تحت القيود، والاغلال إن لم يكن بقوة العنف والحراب، والموت.  

 

الكتاب، وانطلاقا من عنوانه ذاته، إذن، اعلان عن منحى، وتوجه، واتجاه، هو تحديد للهدف، واشارة الى الغاية، وتركيز على تناول المقدمات، وتحديد المقاربة، والاعلان عن حدودها. والحدود، في هذا السياق، لا تعبر عن محدودية مجال المعالجة، وانما، هي نوع من التعيين الذي يقطع مع كل هلامية تبعد عن الغاية. إنه الأفق المفتوح على هذه الغاية بالذات. وما هدف المقولات التي تم تناولها، في هذا الكتاب، غير هذا التحديد بالذات. لذلك جاءت مقتضبة، ومكثفة، لكنها تفتح المجال، واسعا، امام اكثر من مقاربة لتوضيح بعد، من الأبعاد، هنا، والتاكيد على مغزى، هناك، واثارة الاسئلة، الحاثة على اعمال العقل، والتفكير، والنظر، في كل قضايا الفكر والواقع، في اغلب الأحيان.

 

اعتمد العنوان مفهوم التجديد، وليس مفهوم التغيير لماذا هذا الاختيار؟ قد يتساءل البعض، خاصة أن الغاية، النهائية، إن صح الحديث، في هذا المجال، عن غاية نهائية، هي انجاز عملية التغيير. ويبدو لي أن هذا الاختيار ليس اعتباطيا، كما أنه ليس جزافا، وإنما ينطلق من اعتبار مفهوم التجديد أبلغ تعبيرا، وأقرب إلى المراد من التغيير. إذ أن هذا الأخير ليس بالضرورة، وعلى الدوام نحو الافضل، وحياده الظاهر قد يخفي مفاجآت، غير سارة، للممارس السياسي، كما يحدث في تجارب الانقلابات العسكرية، وعندما يتم الاحتكام لمنطق القوة والعنف، حتى ولو تم التسليم، جدلا، بالمقولة الماركسية التي تنص على أن "العنف قابلة التاريخ"، لأن السؤال الذي ينبغي أن يلازم الممارس، والمنظر للممارسة، هو أي تاريخ نعني؟ وبالتالي، أي تاريخ نريد؟ ذلك أن ترك التاريخ مرسلا، بهذه الطريقة، يجعلنا غير قادرين على المساهمة في صنعه، بل ويجعلنا منفعلين به، لا غير. وهذا مناف لارادة الفعل، والتغيير التي تتطلب التحديد، وتدخل الارادة في صنع أحداث هذا التاريخ.  أما التجديد، فهو حتما الى الافضل إلى الأقوى. التجديد تخليص من الشوائب، والطفيليات، واحلال الجديد محل الخلق، المهترىء. هو اعادة الحيوية، والشباب، إلى ما نضبت حيويته، وتراجع شبابه، مع مرور الايام. لكن هل هذا يعني تكرارا للقديم، في أصله، بحيث يكتفي المجدد برفع ركام الايام عنه مثلما يفعل عالم الآثار بما يتم اكتشافه مطمورا تحت الارض، من آثار، متنوعة، تعود الى عصور بادت، وتشكل رسومها الدارسة الدالة التاريخية عليها؟ إن المسألة، في رأينا، ليست كذلك، تماما. بل بالعكس إن التجديد هو إبداع وخلق في مستوى التعاطي مع قضايا الفكر.

 

 

إن ما تقدم هو الذي دفع إلى جعل هذه المعالجة،تدور حول بعض الدلالات والمرامي التي يمكن التوقف عليها انطلاقا من محاولة التأمل في عنوان كتاب الدكتور رفعت الأسد "نحو تجديد الفكر القومي" أول ما يستوقف المرء فيه هو الصياغة المنتقاة حيث لم تأت بصيغة تقريرية، نهائية، وجامدة، وإنما بطريقة جدلية، ديناميكية، مفتوحة. وهذا ما يمكن لمسه انطلاقا من الكلمة الأولى في هذا العنوان: "نحو" فهي تجعل القارىء أمام مشروع مفتوح، وليس مغلقا، بل وليس مرتبطا لا بالزمان ولا بالمكان. إنه نوع من رسم معالم الاتجاه والقصد. وفي هذا تسليم بأن مسعى من هذا النحو يقتضي أن يكون على قدر كبير من المرونة، لأن المهمة ليست بالمهمة البسيطة إنها مهمة " التجديد" وهي بطبيعتها تلك، مهمة مستمرة، ومفتوحة على المستقبل، بحيث يكون المنجز فيها لبنة من لبنات انجاز مطلوب، سواء كان على جدول أعمال الممارسة الآنية، أم، ما يزال ضمن مضمرات النظرية المعرفية التي تؤطر عملية التجديد.وبطبيعة الحال فإن الفكر لا يمكن اخضاعه قسرا لضرورات القوالب الجاهزة، والجامدة، بالتعريف، وهو بطبيعته متحرك وحيوي كما أشرت في المقالة السابقة بنوع من التركيز لكن الذي يعفي من ضرورة التكرار، في سياق هذه المقالة.

 "نحو تجديد الفكر القومي" اذن عنوان غني بالدلالات النظرية والمعرفية ومشروع مفتوح يفرض على الكتاب منهجا مفتوحا ليكون قادرا على استيعاب الجهد المبذول بين دفتيه، وخاصة المقولات النظرية المعرفية التي تمت بلورتها بلغة تحمل من الايحاءات والمضامين ما يجعل الجهود المبذولة في تأطيرها بما هي محصلة تجارب ومكتسبات الممارسة المتراكمة التي لقحتها رؤية نظرية، ونقحتها سجالات معرفية ومعارك سياسية لم تعرف التوقف، في وقت من الاوقات، على اعتبار ان الممارسة منظورا إليها من تصور الدكتور رفعت الأسد رئيس التجمع القومي الموحد معركة مستمرة سواء اتخذت أشكالا ملموسة، على أرض الواقع، أو، لبست لبوسا ايديولوجيا او اقتصاديا او اجتماعيا.

 

فقد تساءل كثير من رجال الفكر والسياسية عندما كانت المقولات تطرح للمناقشة تباعا عن الهدف من طرح هذه القضايا النظرية المعقدة في برنامج سياسي كان يمكن أن يفيد المشاهد والمتتبع، العربي، لو اختص بقضايا الساعة، ومتابعة الاحداث. بل إن البعض ذهب الى حد اعتبار هذا النقاش النظري نوعا من الترف الفكري في وقت تنتظر فيه الجماهير العربية الحلول الملموسة لمعضلات العمل والتعليم والفقر بشكل عام.

غير أن المثابرة، على طرح تلك القضايا، وربطها بالاطار الفكري الموجه لسياسات التجمع القومي الموحد، جعل الكثيرين يدركون ان هذا الجهد النظري في صياغة وبلورة تلك المقولات يدخل في سياق تصور متكامل، يقوم على إدراك عمق الروابط بين المقدمات النظرية التي تقوم عليها ايديولوجيا التغيير وبين متطلبات الممارسة العملية التي يتوقف عليها انجاز، وتطبيق مقتضيات تلك الايديولوجية في ضوء معطيات الواقع، الملموس، من جهة، وفي ضوء تطلعات قوى التغيير، المستمدة من تلك المقتضيات، وتلك الطموحات، منظورا اليها من زاوية المصلحة العامة لأوسع فئات الشعب المعني، في زمان، ومكان، محددين، من جهة أخرى.

 

ويبدو أن ما لم ينتبه إليه البعض هو ذلك البعد السياسي الذي لم يغب قط عن تلك المقولات وخاصة منها تلك التي توجهت مباشرة الى نقد الديكتاتورية وتشريح آليات اشتغالها وابراز دورها التدميري لكل شيء انطلاقا من الحريات الفردية والجماعية مرورا بالمؤسسات السياسية والاجتماعية وانتهاء بالدولة ذاتها التي تصبح دولة وهمية مع سيادة الدكتاتورية ( من أحسن حالات الديكتاتورية تحويل الدولة الوطنية إلى دولة وهمية).

 فهل يمكن التعامل مع مقولات متبلورة، نظريا، ومكثفة للتجارب، والعبر، الوطنية، والانسانية، باعتبارها نوعا من التحلق في سماء لا يشدها الى الواقع أي روابط كما زعم البعض؟ أم ان الحقيقة هي غير ذلك، تماما، كما تمت الاشارة الى ذلك، في هذا السياق، الأمر الذي يفسر كيف أن الاستبداد السياسي، والديكتاتورية قد ناصبت العداء للدكتور رفعت الاسد، وللمقولات التي صاغها في هذا المجال، باعتبارها مقولات مؤسسة، للتغيير ولدمار الاستبداد، والديكتاتورية، من جهة، ولبلورة البديل الديمقراطي الجماهيري والمستقبلي، من جهة أخرى؟

 

إن لفكر القومي، في تصور الدكتور رفعت الأسد، هو نزوع الى التحرر من قيود التبعية، وتطلع الى الاستقلال الذاتي، بعيدا عن كل الاكراهات التي تحول دون تحقيق هذا الاستقلال وذلك النزوع. ومن الأخطاء الكبرى التي تسربت الى الفكر القومي من خلال ممارسات استبدادية تحكمية فك الارتباط بين هذا الفكر وبين التطلع نحوالاستقلال الذاتي والنزوع نحو التحرر. قد يعتبر البعض ان هذا الارتباط ما زال قائما، هنا، أو هنا حيث تقرع آذاننها شعارات يومية تنادي بالحرص على نهج الممانعة في وجه تحديات الهيمنة والاستعمار الجديد. والحقيقة أن اشهار سلاح عتيق في مواجهات نوعية، جديدة، لا يمكن الا أن يكرس الاحباط والهزيمة. غير أن تجديد الترسانة المفاهيمية التي يقارب بها الواقع وفقا لمتطلباته الجديدة يمكن من تجاوز نقاط الضعف التي يستفيد منها الخصوم، ويستغلها الاعداء لتوجيه الضربات الموجعة الى عمق الذات القومية نفسها.

لا مفر من القيام بهذه العمليات الجراحية اذا اردنا انقاذ الفكر القومي من الموت المحقق في الحالة التي يتم تركه فيها يواجه مصيره دون مقومات الصمود، ولا وسائل التطور، والاستفادة من تلك المواجهات التي كانت تهدف القضاء عليه قضاء مبرما.  

 

تكمن المسألة اذن، ووفق هذا المنظور، في شروط التجديد التي لا بد منها، وفي مقدمتها، ربما، الوفاء لروح الفكر، وهو مشروط، بدوره، بالتخلص مما علق بالهيكل والجسد من شوائب وتشوهات مع مرور الايام، وتراكم سلبيات الممارسات الخاطئة.

 

قد يتساءل البعض: وهل هناك روح خالصة دون أي ارتباط بينها وبين جسد أو هيكل ما؟

 

ينبغي النظر الى المسألة، على هذا المستوى، في بعدها المجازي لا المادي، المباشر، والملموس. فقد تحدث مونتيسكيو عن روح القوانين منذ القرن الثامن عشر كما تحدث فيخت الالماني عن روح الشعب او الامة وتحدث غيرهما عن ما يشبه ما ذهبا اليه، لإبراز نوع من الثوابت التي تشكل عمق الثقافة السائدة لدى هذا الشعب أو تلك الأمة.

 

غير أن الفكر القومي لا يتجدد الا اذا ارتبط في الممارسة، العملية، بمجموعة من المفاهيم المكملة والداعمة. وقد تكفل عدد من المقولات النظرية بتوفير هذا الشرط الحيوي، ومن بينها المقولات المتعلقة بالعدل والسلام والحرية.

 

 

إن الخصوصية القومية، من هذا المنظور، لا بد أن تتخذ في منحى تطورها، وجهة الكونية، وذلك باستيعابها، في مجمل شروطها، وضمن هذه الذات القومية التي تجسدها او تدل عليها، وبما يجعلها منخرطة عضويا في عصرها من خلال الحرية التي توفرها لنفسها.

 

 إن مفهوم تقرير المصير، في هذا السياق، مرتبط أشد ما يكون الارتباط بالحرية التي ينبغي أن يتمتع بها الافراد، بما هم كذلك، والجماعات، بما هي كذلك. وبالتالي، فهو مفهوم لا يمكن، أن يكون، بأي حال من الاحوال، أساسا، او، أرضية، ضيقة، لتكريس الانغلاق، والتقوقع، السلبي، على الذات، والتحرر من روابطها، الموضوعية، مع العصر الذي يعيشه، وعليه، تشرب ثقافته، وولوج أعماقه. ودون ذلك يفقد الحق في تقرير المصير صفة، ومضمون، الحق لأنه خارج نطاق الحرية، وفي مواجهة متطلبات ممارسة الحرية.

 

إن عملية التجديد، هذه، تعمل على مستويين، ويمكن الحديث، فيها، عن بعدين، أساسيين، ملازمين، لها، وهما:

 

أولا، لفظ، وإقصاء، ونبذ، ما لم يعد يتلاءم مع معطيات الواقع، الموضوعي، باعتباره شكلا من أشكال اعاقة التطور، وعملية التجديد.

 

غير ان بعد القطيعة، ليس شرطا، كافيا، رغم ضرورته، وهو لا يستقيم، بالتالي، إلا عبر ترافقه مع عملية استيعاب، والقدرة على دمج عناصر، لأداء وظائف جديدة ضمن المنظومة الجديدة، والتي لولا تدخل عملية التجديد، لاحتوائها، واعادة بلورتها، بما يخدم التطور، لانتهت الى التفكك، والتلاشي، والعدم.

 

وبما أن عملية التجديد، هي في الواقع، بمثابة قلب، وجوهر الحداثة الفكرية، فإن المقولات تعتبر في بنائها ومضمونها فتحا حقيقيا في هذا المجال.

 

هذا لا يعني زعم أن المعركة قد انتهت، وان فوز التجديد قد بلغ مداه، وأصبح نهائيا بحيث لم يعد ممكنا أن يطاله الضعف، والتراجع، والتقهقر، بل إنه من جوهر الفكر الحديث اعتبار مبدأ النسبية حقيقة الأشياء، وبالتالي، يمكن القول: إن المعركة ما تزال مفتوحة، وستظل كذلك، على الدوام، بين ما هو قديم وعتيق، وما هو جديد ومتجدد، انطلاقا من عاملين، جوهريين، هما: أولا، مقاومة القديم، بمختلف الاشكال، لعدم قبوله التراجع الى الوراء وأن يسدل عليه الستار إلى الأبد، بل إنه يعمل، بكل الوسائل، المتاحة، والحيل، الممكنة، للعودة الى مواقع الصدارة، التي فقدها، مستنفرا، في ذلك، كل الآليات الدفاعية التي هي بحوزته، ومخترعا آليات جديدة، لمواصلة المعركة ضد الفكر الجديد وعملية التجديد.

أما العامل الثاني فيكمن في الطابع اللانهائي لهذا الصراع، ذلك أن ضرورات التجديد، ومتطلبات مواصلة الصراع لا يكون مع القديم فحسب، وإنما يكون أيضا مع الجديد الذي يتقادم، وينحرف عن دوره في التجديد، والابداع ليلجأ إلى مواقع المحافظة والتراجع السلبيين.  

 

          

                             

لا وطن بغير الحرية، ولا حرية مع الديكتاتورية

                                 

                                  

 

الديكتاتورية آفة سياسية واجتماعية واقتصادية وثقافية خطيرة. التخلي عن ممارسة الحرية لفائدة الاستبداد اثم عظيم.( وما استبدال ممارسة الحرية غير فاحشة، كبرى، وإثم عظيم)...( "(...)إن هذه السلطة، المبتورة الجذور، لا تهدد قطرا، واحدا، وحسب، بل هي تهدد الأمة، بكاملها، لأنها تخبط خبط عشواء لتصل إلى عدوانية ترى فيها ملاذها، الذي تتشرنق فيه، وتؤذي ما بعده.)

 

وهل هناك أبلغ في هذا الاطار من هذه المقولة؟ (لا وطن بغير الحرية، ولا حرية مع الديكتاتورية)

 

 

 هذا هو جوهر دلالات هذا الصنف من المقولات. وباعتباره الجوهر الملموس، فإنه يدل، هو، أيضا، على جواهر اخرى، ويقوم على ابرازها، ما قد يتم النظر إليه على أنه أهم لكونه البعد الاستراتيجي، في هذه المقولات. ويتمثل في شروط ممارسة الحرية، والقيود التي تضعها المقولات على الممارسة حتى تشكل السياج المنيع في وجه كل محاولة للتطاول على دلالات الحرية، تلك، لتحجيمها او القضاء عليها.

 

إن الدكتور رفعت الأسد يؤكد على مبدئين متلازمين في هذه المقولات وهما: مبدأ مناهضة الديكتاتورية ، والعمل على تقويض الاغلال والقيود والاصفاد المادية والمعنوية القانونية والسياسية التي تضعها في وجه ممارسة الحرية، أولا، ومبدأ تقييد قوى التغيير هي أيضا في سلوكها العملي بضرورات الالتزام بضرورات تقويض دعائم الديكتاتورية في مختلف المجالات المقرون بتحصين هذه القوى، وحمايتها من كل ممارسة مضادة لمقتضيات، وشروط ممارسة الحرية. وبذلك تتمكن قوى التغيير من الانتقال الجدلي من مناهضة ممارسات سلطة الاستبداد الى إقامة حواجز في وجه انتقالها هي ذاتها إلى الساحة المغلقة للدوائر الضيقة للديكتاتورية. وحينئذ، فقط، يكون الشعب قد كسب أمرين في آن واحد: الثمرات الديمقراطية لمواجهة التفرد والديكتاتورية والاستبداد، من جهة، وعدة نظرية وقانونية ومادية لافشال كل نزوع، إرادي، أو، غير ارادي، يرمي الى اعادة انتاج، وزرع بذور تلك الممارسات في صفوف قوى التغيير الديمقراطية التي عليها، في الواقع، ان تتسلح بسلاح اليقظة في مواجهة كل الاشكال التي يمكن ان تتمظهر عليها الديكتاتورية.

 

إن التأمل في هذه المقولات إذن، والدفع بمدلولاتها الى مداها يجعلنا أمام جدل مستمر بين ما هو كائن، ومعطى، وما ينبغي ان يكون، بين الواقع والمنشود، بين الممكن، وبين المأمول. وهذه الحركة الجدلية، الدائبة، بين أكثر من حد هي التي تضفي على الممارسة حيوتها، وتجعل التواصل بين مراحلها أمرا ممكنا، حتى في الوقت الذي يبدو فيه أن الانفصال والقطائع هي السائدة في هذه العلاقات، ذلك أن تداخل مستويات تلك الممارسة، يضمن ذلك التواصل الذي قد لا يبدو، لأول وهلة، مثل ما يحدث عند وقوع هزيمة مشروع سياسي، او، ارتداد للممارسة في لحظة من لحظاتها.

 

فالخيط الناظم بينها هو ذلك الخيط الرفيع، لكن القوي، الذي يظل قائما بين قوى التغيير وممارسة الحرية والذي متى انقطع تكف تلك القوى عن كونها قوى تغيير، وتفقد الممارسة السياسية بعدها، وزخمها الحيوي.

 

إن السجون والمعتقلات السياسية، ومختلف التضحيات التي يضطر المجتمع الى تقديمها لمواجهة الاستبداد، والتسلط السياسي، ليست عبثية، كما أنها ليست مجانية، وإنما هي التي ترسي قواعد لصموده الذي سيتحول عند نقطة ذروة تراكماته، ومكتسباته، السياسية الى تحول نوعي، أو طفرة تغير مجرى الأحداث، مما قد يرى فيه البعض تحولا لا يستند الى ارضية موضوعية، كما أن البعض، قد يعزوه بصورة مباشرة، أو، غير مباشرة، الى تدخل غير مرئي لقوة خارقة لأن الطابع المفاجىء لعملية القطع مع القديم يوحي بأنه لم تكن له أي مقدمات تفسر هذا التحول الذي يكتسي طابعا جذريا.

 

 

 

 

حقوق النشر   |   إتفاقية إستخدام الموقع ومواده الإعلامية    |   لنشر مواد إعلامية   |    للإعلان في الموقع 

الرئيسية  التيار وفروعه  |  في السياسة  |  في الدين  |  نشاطات عامة  |  دعم الموقع  |

 طلب إنتساب  |  صور للتنزيل  |  إتصل بنا