*سليمان: الأولوية للتوافق والسلم الأهلي
وإدارة تفعيل المؤسسات
*فرانسوا الحاج والشهداء في ذاكرة الرئيس
الجديد
*اتفاق الدوحة: لا غالب ولا مغلوب والعودة إلى
الحرب خط أحمر
*طموح سليمان تحويل الرئاسة الأولى إلى مرجعية
وطنية
يعرف قائد الجيش العماد ميشال سليمان تمام
المعرفة ان اسمه سيلازم مرحلة جديدة ستبدأ في
تاريخ لبنان في الخامس والعشرين من أيار/مايو
الجاري. ويعرف بالتالي انه أصبح الآن أمام
الاختبار الأهم في حياته وان معركته الفعلية
والحقيقية بدأت للتو منذ توقيع اتفاق الدوحة
بتوافق لبناني يندر حصوله ورعاية عربية
ودولية.
لهذا السبب ربما لم يكترث سليمان كثيراً
لإطلاق العنان لفرحته فطغى على حسم مسألة
اختياره مرشحاً توافقياً للرئاسة الأولى تحفظ
وحذر ليس فقط بحكم ما عرف عن قائد الجيش من
رزانة وجدية وصرامة العسكري بل وأيضاً لإدراكه
بأنه دخل حقل الألغام الأخطر في مسيرته وان
الآمال المعلقة على أدائه وموقفه لتنظيف هذا
الحقل اللبناني المشتعل كبيرة وتكاد تكون
موازية وسط التوازنات الدقيقة داخلياً
والتعقيدات الكبيرة إقليمياً لمصير وطن ودولة
وشعب.
كأن لا وقت للرجل للاحتفال ببلوغ منصب طالما
كان بالنسبة له ولكثيرين حلم عمره إلى درجة ان
زواره ممن سارعوا لتهنئته بالموقع الأهم
والأبرز والأول في البلاد لمسوا انه يستكثر
على نفسه اعتبار اللحظة لحظته أو ان العرس
عرسه، مستذكراً بدلاً من ذلك الشهداء، كل
الشهداء وعلى رأسهم شهداء حرب تموز 2006
وشهداء الجيش في مخيم نهر البارد واللواء
الشهيد فرانسوا الحاج لإكمال المسيرة وأخذ
العبر والدروس في سبيل انقاذ الوطن وخلاصه.
لا يتحدث سليمان كثيراً عما يمكن أن يفعله
وعما يمكن أن ينجح فيه، وهو يحاذر في ذلك،
لعله يترك ما يريد قوله لخطاب القسم، إلا انه
يعرف كما يقول حجم ما ينتظره من صعوبات
وتعقيدات وتحديات وهو الذي ركب المركب الخشن
في بحر من الانواء والعواصف.. والاعاصير، إلا
ان عناوين عديدة لما يريد التصدي له من مهمات
تتتابع في أحاديثه عن اتفاق الدوحة وأهمها
التوافق وصون السلم الأهلي وإعادة تفعيل
المؤسسات.
فلا استقرار سياسياً واجتماعياً واقتصادياً
وأمنياً.. بدون التوافق في إطار الدستور، ولا
أولوية تتقدم على حفظ السلم الأهلي. وبالتالي
فإن إعادة إحياء المؤسسات وتأمين انتظام عملها
هما البوابة الوحيدة لخلاص لبنان.
الحوار وسيلة فضلى
وعلى هذا الأساس فإن الحوار هو الوسيلة الفضلى
لبلوغ كل الاهداف الوطنية المرتجاة.. ولهذا
فإن سليمان كما يقول عارفوه لن يتردد في إطلاق
حوار وطني من منطلق حرصه على تحويل رئاسة
الجمهورية إلى مرجعية وطنية رافضاً منذ الآن
جعلها طرفاً لمصلحة هذه الجهة أو تلك أو مطية
لتحقيق مآرب أو مكاسب سياسية لهذا الفريق أو
ذاك. لتكون هذه المرجعية الوطنية ضامناً لوحدة
لبنان واستقلاله والسلم الأهلي، وفي هذا سيقدم
سليمان النموذج نفسه من أدائه الذي يتميز به
في قيادة الجيش دون أن يلتفت للمواقف
المتباينة معه أو ضده من الاطراف اللبنانية
والتي كانت تقوم مداورة بامتداحه ثم بانتقاده
ثم بامتداحه.. وصولاً إلى تسليم الجميع بدوره
التوفيقي والجامع ودور المؤسسة التي كان
يقودها الحاضن والموحد.
لا يملك سليمان عصا سحرية لاجتراح الحل. وواهم
من يظن ان رئيس الجمهورية في لبنان يستطيع
تحقيق المعجزات والاعاجيب خاصة في ظل
الانقسامات والاصطفافات الحادة السائدة، إلا
ان الجنرال يبدو وكأنه مشحون بإرادة الاندفاع
للعمل بكل الوسائل الممكنة والمتاحة لتحقيق
الاهداف المرجوة وطنياً متسلحاً باتفاق الدوحة
الذي ما كان ممكناً الوصول إليه لولا توافر
إرادة لبنانية وعربية ودولية، أو تأمين تسوية
بطوابقها الثلاثة وفقاً لنظرية أمين عام
الجامعة العربية عمرو موسى.
وإذا كان اتفاق الدوحة أكبر من هدنة وهو فعلاً
كذلك، يمكن لبنان واللبنانيين من ملء الفراغ
في سدة الرئاسة الأولى بانتخاب سليمان رئيساً
توافقياً وتشكيل حكومة وحدة وطنية وإجراء
انتخابات نيابية بعد الاتفاق على قانون انتخاب
جديد يعيد إنتاج الطبقة السياسية وفق موازين
القوى الداخلية القائمة، فإن الفرصة التي
يتيحها اتفاق الدوحة كما يعتبرها سليمان
بالإمكان اغتنامها لتحويل اتفاق الدوحة الذي
يسجل لدولة قطر وأميرها ورئيس وزرائها الفضل
في تحقيقه إلى حل شامل من خلال الرصيد الوفير
الذي يملكه سليمان والثقة الكبيرة التي يحظى
بها لبنانياً وعربياً ودولياً، إضافة إلى ما
يتمتع به من صدقية ومكانة، بعد ان أرسى اتفاق
الدوحة أو عكس وجود معادلات جديدة أساسها صيغة
لا غالب ولا مغلوب اللبنانية السحرية الجاهزة
دائماً وأبداً عند الطلب لخفض منسوب الرؤوس
الحامية في لبنان وتحجيم شطحات ((المفشخين))
بدون طائل وإعادة البالونات المنفوخة إلى
أحجامها الطبيعية.
لا غالب ولا مغلوب
معادلات جديدة أهمها إضافة إلى صيغة اللاغالب
واللامغلوب عدم وجود قرار بعودة الحرب إلى
لبنان، واعتبار أي انزلاق نحو فتنة أو حرب
داخلية أو أهلية من الخطوط الحمر القاطعة
لبنانياً وعربياً ودولياً.
معادلات يمكن الانطلاق منها في مسيرة يقودها
الرئيس التوافقي ميشال سليمان لتوطيد أواصر
العيش المشترك بين اللبنانيين بكل طوائفهم
ومذاهبهم وانتماءاتهم لإعادة توزيع السلطة
طبقاً لاتفاق الدوحة وبناء العلاقات اللبنانية
- السورية على أسس طبيعية وفق مقررات الحوار
الوطني وتنظيم العلاقة اللبنانية - الفلسطينية
وفقاً للمقررات نفسها وكذلك الأمر بالنسبة
لسلاح المقاومة من خلال استراتيجية دفاعية يتم
الاتفاق عليها في حوار شامل وجامع تحفظ لبنان
وشعبه ومقاومته في مواجهة أي عدوان إسرائيلي
محتمل ودون المساس بسيادة وأمن واستقلال
الدولة.
تعددت توصيفات اتفاق الدوحة وكثرت. لكن مهما
قيل فإنه بحق اتفاق تاريخي وهو بمعنى من
المعاني أكبر من هدنة طويلة تمتد لسنوات لما
يختزنه من فرص للتحول إلى تسوية تاريخية وعقد
دائم في مواجهة ما يعترض لبنان ويواجهه من
منـزلقات وتعقيدات تجعل أي اتفاق أصغر من حل
دائم وشامل يحتاج التوصل إليه وإقراره إلى
إرادة وطنية قوية وظروف إقليمية ودولية ليس من
اليسير حاضراً ومستقبلاً توافرها.
إلا ان ميشال سليمان قبل التحدي وقرر خوض
المنازلة وها هو اليوم يخرج من حقل ألغام تمرس
فيه خلال توليه قيادة الجيش ليدخل وهو الرئيس
التوافقي للجمهورية العتيدة إلى حقل ألغام
جديد أكبر وأوسع وأخطر. فهل ينجح في مهمته
الجديدة.
زين حمود