خيرالله خيرالله
في العام 1970، انتُخب مجلس النوّاب اللبناني
سليمان فرنجية، رحمه الله، رئيساً للجمهورية.
فاز سليمان فرنجية على حاكم مصرف لبنان إلياس
سركيس بفارق صوت واحد. نال فرنجية خمسين صوتاً
في مقابل تسعة وأربعين صوتاً لإلياس سركيس،
الشهابي العتيق الذي عمل في ظل الرئيس الذي
بنى بين العامين 1958 و1964 المؤسسات الحديثة
للجمهورية اللبنانية، وسعى إلى تنظيم عصري
لمختلف القطاعات وتعميم العدالة الاجتماعية
على كل المناطق. جاء فؤاد شهاب إلى الرئاسة
بعد أحداث العام 1958. ولما انتهت ولايته
الدستورية، اختار الذهاب إلى بيته رافضاً
التجديد، مؤكداً التزامه الحرفي للدستور نصاً
وروحاً. لا تزال العبارة المشهورة التي كان
يرددها باستمرار عالقة في ذهن كثيرين. كانت
العبارة التي اعتمدها فؤاد شهاب هي الآتية:
«ماذا يقول الكتاب؟». وكان يعني بالكتاب نص
الدستور الذي أراد أن يفرض على اللبنانيين
احترامه وتعويدهم على السير بموجب مواده
أكانوا في السلطة أو خارجها، أكانوا مسؤولين
أو من عامة الشعب...
انتخب فؤاد شهاب رئيساً خلفاً لكميل شمعون،
رحمه الله. كان كميل شمعون الرئيس الذي بنى
البنية التحتية للبنان بين العامين 1952 و1958
وكان صاحب أفكار ومشاريع طليعية وقوانين عصرية
مكنت لبنان من أن يكون بالفعل قبلة الشرق
والغرب. من كان يتصور أن بلداً مثل لبنان ينظم
في الخمسينات مهرجانات بعلبك؟ من كان يتخيل
فكرة كازينو لبنان التي تحولت إلى حقيقة في
عهد كميل شمعون؟ من يريد أن يتذكر أن المدينة
الرياضية هي من بنات أفكار كميل شمعون، كذلك
سد الليطاني ومئات المشاريع الإنمائية التي
بقي قسم كبير منها على ورق.
اضطر كميل شمعون رغم امتلاكه أكثرية نيابية
إلى التزام الدستور في نهاية المطاف. كان
التخوف من أن كميل شمعون يمكن أن يخرق الدستور
ويسعى إلى التجديد نقطة سوداء في عهده الذي
أسس للازدهار في لبنان على الرغم من شوائب
السياسة الخارجية للوطن الصغير في ذلك العهد
المبارك. في مقدّم الشوائب عدم استيعاب خطورة
التحولات التي يشهدها الشرق الأوسط في ظل
زعامة جمال عبدالناصر التي قادت إلى سقوط
النظام الملكي في العراق في الرابع عشر من
يوليو 1958 وإلى تطورات أخرى في غاية الأهمية
والخطورة على صعيد الشرق الأوسط كله.
كان فؤاد شهاب مدرسة في احترام الدستور. كان
يخاف على لبنان من جراء عدم احترام الدستور.
كان يعتبر احترام الدستور في أساس ديمومة
لبنان. تعلّم من التجربة التي مرّ بها كميل
شمعون وقبله الرئيس الأول للبنان المستقل
الشيخ بشارة الخوري الذي سعى إلى التجديد،
فكانت ثورة شعبية أجبرته على الاستقالة في
العام 1952.
ما يفترض تعلمه من فؤاد شهاب أن لا مفر من
احترام الدستور الللبناني كي يكون هناك لبنان.
كان احترام الدستور وراء وصول سليمان فرنجية
إلى الرئاسة بفارق صوت واحد. كانت تلك
الأكثرية أكثرية نصف صوت في الواقع إذ حصل على
خمسين صوتاً من أصوات أعضاء مجلس النواب
وعددهم تسعة وتسعون نائباً. لم يكن لبنان في
حاجة إلى سليمان فرنجية في العام 1970. كان في
حاجة إلى شخص مثل إلياس سركيس، رحمة الله
عليه. من سوء حظ لبنان أن سليمان فرنجية، الذي
لا يمتلك أي خلفية سياسية تتجاوز حدود قريته
والحسابات المحلية الضيقة، انتخب رئيساً
للجمهورية في المرحلة الأكثر دقة في تاريخ
لبنان، بعد سنة من إقرار مجلس النواب لـ
«اتفاق القاهرة» الذي شكل اعتداء على السيادة
اللبنانية وعلى مستقبل لبنان كدولة مستقلة.
حصل ذلك جراء الضغوط التي مارسها رئيس الوزراء
رشيد كرامي، رحمه الله، على الرئيس الماروني
شارل حلو الذي لم يستطع أن يسأله: «ماذا يقول
الكتاب؟».
لا مستقبل للبنان من دون احترام للدستور.
النظام السوري يعرف ذلك جيداً. كذلك الأوصياء
عليه في طهران وأدواتهم اللبنانية، على رأسها
«حزب الله» وأدوات الأدوات من أمثال النائب
ميشال عون الذي كان قائداً للجيش ولم يتعلّم
شيئاً من فؤاد شهاب أو من تجربة كميل شمعون أو
من التجارب التي مرّ فيها العميد ريمون إده،
رحمة الله عليه ألف مرة. لم يتصوّر ريمون إده
يوماً أن في استطاعة نائب مسيحي أو غير مسيحي
مخالفة الدستور وأن يرفض الذهاب إلى مجلس
النوّاب لانتخاب رئيس جديد للجمهورية لدى
انتهاء الولاية الدستورية للرئيس.
باختصار شديد، أن الانقلاب الذي يتعرّض إليه
لبنان حالياً يستهدف القضاء على الكيان عن
طريق وقف العمل بالدستور. لهذا السبب وليس
لغيره، لم تُعقد جلسة لمجلس النواب بعد انتهاء
ولاية إميل لحود بموجب الدستور. لهذا السبب
أغلق رئيس مجلس النواب نبيه بري أبواب المجلس.
بالطبع، يمكن تفهم مواقف رئيس مجلس النواب
الذي هو في النهاية لاجئ سياسي عند «حزب الله»
الذي أخذ الطائفة الشيعية الكريمة رهينة
معتمداً على سلاحه و«الدولار الطاهر». ويحاول
الحزب - الميليشيا حالياً أخذ لبنان كله
رهينة، بعدما اعتبر أنه نجح في الاستيلاء على
بيروت وتعطيل دور الجيش اللبناني والأجهزة
الأمنية الأخرى، معتمداً على الأداة
المُستأجرة التي اسمها ميشال عون. أخطأ الرئيس
فؤاد السنيورة عندما اعتبر عون «درعاً»
لميليشيا «حزب الله». ميشال عون لا يمكن إلا
أن يكون أداة ولا يحسن سوى أداء دور الأداة.
السنوات العشرون الأخيرة تدل على ذلك. عمل
ميشال عون طوال عقدين من أجل نشر التدمير
والخراب في لبنان. ولذلك نراه اليوم يصرّ على
أن يستخدم في عملية على القضاء على الدستور
وتجريده من كل معنى...
لا أمل للبنان سوى في العودة إلى الدستور.
لذلك تنصب الجهود حالياً على منع فؤاد
السنيورة من تشكيل حكومة بموجب الدستور، وذلك
عن طريق الاستثمار في ميشال عون لتنفيذ
المهمة. أين أيامنا من أيام فؤاد شهاب؟ أين
أيامنا من أيام كان فيها رئيس الجمهورية يسأل:
«ماذا يقول الكتاب؟». الأكيد أن الرئيس ميشال
سليمان تأثر بفؤاد شهاب ومدرسته. مجرد وجود
شخص من هذا المستوى في الرئاسة يحمل بعض
التفاؤل بأن يعود رئيس الجمهورية إلى التركيز
على الدستور وما ورد في «الكتاب».
الرأي العام الكويتية