البعث و»حزب الله« و»حماس« ونظام ولي الفقيه..
فكر شمولي يرفض الآخر والحرية وينتهي كما
انتهت النازية والشيوعية
شهد العالم خلال القرن العشرين استقطاباً بين
تيارين فكريين - سياسيين إيديولوجيين؛ تيار أو
إيديولوجيا المطلق والشمولية وقد مثلته أبرز
حركتين هما الشيوعية والنازية ، وتيار الحرية
والتجربة والتغيير وتمثله فكرة ونماذج
الديموقراطية على اختلافها وتعددها . ثمة
حركات أخرى كثيرة صغيرة تنشأ وتختفي في هذا
البلد أو ذاك تنتمي لأحد هذين العنوانين:
المطلق والشمولية ورفض الآخر ، أو الحرية
والتعدد والآخر.
وبالرغم من أن مذهب أو مذاهب الشمولية والمطلق
قد عبرت عنها أحزاب وتجارب كبرى ، فإن نقيضها
أيضاً قد عبرت عنه أحزاب وتجارب كبرى . يمكن
اختصار التجربة الأولى كما سبق في النازية
والشيوعية ومعهما التيارات الإسلامية
المتوالدة حديثة النشأة والحضور ، والتجربة
الثانية في أوروبا الغربية وأميركا ودول أخرى
تنتمي للحضارة الحديثة ، من دون أن يعني هذا
مثاليتها أو خلوها من الأخطاء والخطايا.
من نسل التجربة الأولى تولد اليوم تجارب
مماثلة ينشأ أبرزها في البلدان الصغيرة التي
لم يكتمل نموها السياسي . فتجربة إيران مثلاً
الدينية مذهبية الطابع ، ومعها أو اشتقاقاً
منها محاولات ودعوات أخرى مماثلة ، هي واحدة
من تجارب الشمولية التي ترفض التعدد والآخر .
إنها تحاول صياغة الإنسان على مثال محدّد
بمواصفات تاريخية حبلت وولدت أوهامها وأحلامها
. مواصفات تكتسب شرعيتها من الغيب والسماء ومن
كتب الأولين وتحلم بالمجد في الدنيا ، فإذا
تعذر - وهو متعذر بدليل أنه لم يقم يوماً في
التاريخ - فهي تنقل حلمها من الدنيا إلى اليوم
الآخر تعد به المؤمنين فتعطيهم في الآخرة غداً
كل ما لا تستطيع ، عجزاً ، أن تعطيهم على
الأرض اليوم.!
لهذه التجربة ببعض قواعدها وثقافتها ينتمي حزب
يفترض أنه علماني النشأة هو البعث العربي
الاشتراكي . فهذا الحزب الوحدوي القومي انتهى
إلى نقيضه: تعميق التجزئة وإقامة نظامين
وتجربتين انهارت إحداهما في العراق بالاحتلال
وبقيت الأخرى في سورية شاهداً حياً على
الانغلاق والفشل . وبالرغم من علمانية الحزب
في نشأته الأولى ، فإن قيادته مارست وتمارس به
سلطةً ذات بعد شمولي مذهبي مغلّف بالشعارات ..
وقد تستخدم بعض رجال الدين ممن يبيعون الحلال
والحرام بالجملة والتقسيط ، وبقدر حاجتها
إليهم.
لهذه التجربة الشمولية أيضاً التي ترفض الآخر
أو تستتبعه وتستعبده ينتمي »حزب الله« الشيعي
الإيراني في لبنان ومنظمتا »حماس« و»الجهاد
الإسلامي« السنيتان في فلسطين ، على اختلاف ما
بين الشيعة والسنة ، وهو اختلاف يغذيه التاريخ
أيضاً ويمده بالمزيد . طبعاً نستثني »القاعدة«
بما هي تنظيم سري يمارس الإرهاب ، لا فكر له
أو مرجعية سياسية غير رجلين: أسامة بن لادن
وأيمن الظواهري وكلاهما يفتقر للحد الأدنى من
الثقافة الدينية أو المدنية . إنهما ظاهرة
تمرّدٍ يعرف ما لا يريد ويريد ما يجهل.؟
وبالرغم من انتشار التلفزيون والإنترنيت
وأدوات التواصل مع العالم الآخر حيث الإنسان
والحرية أساس العلاقة بين النظام السياسي
والمواطن ، بين المجتمع والدولة ، فإن
المجتمعات العربية - الإسلامية ظلت بعيدة ،
بشكل عام ، عن هذه التجربة التي تعني في
بُعدها الأول احترام الآخر . إنها ، أي تلك
المجتمعات الدينية ، تنتمي للحضارة شكلاً
باستخدامها أدوات الحداثة ، وللتاريخ المظلم
بما تفرض من أحادية الفكر ووحدانية السلطة.
كيف يمكن فهم ثقافة تستخدم آليات حضارة
أنتجتها الحرية وتنغلق في العلاقة السياسية
بين السلطة والمواطن لتغدو السلطةُ قهراً
والمواطنيةُ عبوديةً ، ويتم ترحيل حاجات الناس
إلى اليوم الآخر..؟
تلك هي المفارقة التي تجعل الشمولية السياسية
والفكرية أشد خطراً على مستقبل الشعوب والحرية
المهددة في أكثر من رقعة من الأرض ومجتمع .
يزيد من خطر الشمولية ليس واقعها فحسب ، بل
مستقبلها أيضاً . إنها تزداد اتساعاً بدلاً من
أن تنكمش وتضمر في الممارسة . وبقدر ما ينتمي
إنسانها ومواطنها في حياته اليومية لآليات
الحداثة والمجتمع المدني ويتعامل بأدواتها
وأدواته ، بقدر ما يبتعد عن قيم الحرية ويزداد
ارتباطاً بالفكر الشمولي الذي يرفض الآخر
المختلف .. من دون أن ننسى أن ه