بسم الله الرحمن الرحيم

الحمد لله الواحد لا من قلّة ، والموجود لا من علّة ، والصلاة والسلام على رسول الله محمد وعلى آله وصحبه النجوم والأهلّة ، أما بعد :

فقد قال الله تعالى في محكم كتابه العزيز الحكيم : {وَإِن طَائِفَتَانِ مِنَ الْمُؤْمِنِينَ اقْتَتَلُوا فَأَصْلِحُوا بَيْنَهُمَا} (9) سورة الحجرات

كثر الحديث في الآونة الأخيرة في مدينة ديربورن في ولاية ميتشيغن الأميركية حيث تتواجد الجالية العربية الإسلامية بقوة عن صراع في أروقة المركز الإسلامي الثقافي وصل إلى حد التراشق بالبيانات والخطابات المثقلة بالإتهامات والتخوينات والسباب والشتم والقذف بنعوت لا تليق بأصحابها ، ومهما كان الخلاف الّذي سرت رواياته بين الناس كان ينبغي أن يتحرك عقلاء الجالية لوضع حد لهذه المهزلة التي وصلت إلى حد إعلان مواقف صنفت مجلس أمناء المركز الإسلامي بين يزيديين وحسينيين ، وطبعا” لم يقتصر الأمر عند هذا الحد من إمام المركز السيد حسن القزويني الّذي كان ينبغي أن يكون أكثر حرصا” في انتقاء كلماته ويكبح نشوته أمام الجماهير المصفقة ولا يتخطى الخطوط الحمراء في توجيه الإهانات لرجال الدين الشيعة في لبنان عندما يتحدث أنه خدم الجالية 18 سنة ومن سبقه كانوا فورا” ( يزعبون ) … وأن الراحل الشيخ شمس الدين قال لوفد من الجالية يوما” عندما طلبوا منه تأمين رجل دين يجيد العربية والإنكليزية : لو كان عندنا مثلما تطلبون عملناه رئيس جمهورية … طبعا” دون أن نغفل خطورة السهم الّذي أطلقه السيد القزويني سامحه الله عن تمييز بين العراقيين واللبنانيين مما يشكل شرخا” بين أبناء الجالية ويقودهم إلى فتنة يصعب سريعا” التعافي منها ، فعلماء جبل عامل منذ القدم حملوا رسالة التشيّع إلى العالم وأرسوا تعاليم أهل البيت عليهم السلام في إيران التي أصبحت اليوم في طليعة الدول الإسلامية الرائدة .

لم نكن لنتتدخل في هذا الصراع الّذي لا علاقة للدين به لولا المساس بكرامتنا جميعا” كأبناء هذه الجالية التي نرفض احتكارها من قبل البعض المرتبط سياسيا” وحزبيا” في لبنان أو فارضا” قراره بماله الّذي لا يعني لأحرار الرأي والضمير وصناع الكرامة شيئا” ، ما يجري هو صراع على النفوذ وتقاسم المكتسبات التي يجنيها المركز ماليا” من عرق أبناء الجالية ومن الدعم الرسمي والمنظماتي حيث ذهبت أهداف المركز بعيدا” عن خدمة الجالية وأبناءها وأجيالها التي تحتاج إلى ثقافة تنويرية تثقيفية تذكرهم بوطنهم الأم لغة وثقافة وتعلمهم مفاهيم الدين الإسلامي وخط أهل البيت (ع) القائم على المحبة والأخوة والتلاقي والإنفتاح لا على البربرية والإلغاء ورفض الأخر ورفض الحوار بل رسّخت في أذهانهم ثقافة التخوين والعمالة وإعلان الحرب على من لا يتوافق ورؤيتهم أو موقفهم السياسي .

لا يمكن لعاقل أن ينكر هذه الأمراض التي تنتشر في جسد الجالية التي أفسدت صورة اللبناني والعربي أمام المجتمع الأميركي الّذي يتميّز بالصدق والإخلاص والجدية .

نعم ، أخطأ ناشروا البيانات بحق السيّد القزويني لأن ما نعتوه به خرج عن أدب المخاطبة والمطالبة بإصلاحات باتت ملحة وضرورية بل واجبة على كل فرد من أفراد الجالية أن يرفع الصوت في وجه الخطر الداهم الّذي ينبعث من أروقة مراكز ينبغي أن تكون للإرشاد والتثقيف لا إلى نقل صورة بشعة تسيء إلى الجالية عموما” ، ولا بدّ من احترام شخصه وعلمه وثقافته وتضحياته ومن المعيب أن تنشر هذه المنشورات والبيانات ونرسم صورة أمام الناس سيئة تفقد رجل الدين احترامه ومكانته .

والخطأ الأكبر كان من سماحته ( وأنا من المعجبين بثقافته ) في الرد الّذي لم يكن متناسبا” مع مقامه الديني حيث وقع في ما لا ينبغي أن يقع فيه ، وكان يفترض أن يصلح العقلاء بين المتخاصمين لا أن يتركوا الساحة للمصفقين والإستغلاليين والهمج الرعاع ليزيدوا من حدة الصراع والإنقسام .

معم … المركز الإسلامي ليس ملكا” لأحد … لا للإمام أيا” يكن هذا الإمام ( السيد القزويني أو غيره ) ولا لمجلس الأمناء بل هو لكل فرد من أفراد هذه الجالية أو فليعلنوه مقرا” عائليا” أو قبليا” أو حزبيا” وننتهي من هذه القرقعة التي ستدمر ما حاول أن يؤسس له الراحل العلامة الشيخ شري .

المتضررين إذا كانوا يمتلكون الوثائق والأدلة على ادعاءاتهم ينبغي أن يعالجوها ضمن مجلس إدارة حريص على المركز والجالية لا على مصالح المتمولين والسياسيين أو فليكن القضاء هو الحلّ بعد استنفاذ كل وسائل الصلح والتوافق بين المتخاصمين .

قول الحق والوقوف مع الحقيقة ليس دفعا” نحو انقسام الجالية ، بل السكوت عن الحق هو التخاذل ، هو الموافقة على الباطل ، هو الإلغاء لدور الإصلاح الّذي يقوم عليه أي مركز ديني .

علينا أن نكون أقوياء ما دمنا مع الحق والعدالة ، لا أن نخاف من مافيا المال والسياسة فنجبن عن قول الحقيقة ، لا يجوز أن نضعف أنفسنا ونقيد حريتنا لأننا نعطي القداسة لهذا الزعيم أو ذاك أو نعطي العصمة لهذا العالم أو ذاك ، تمسّكوا بقوة وجودكم ، وناقشوا قضاياكم باستقلالية ، ولا تجعلوا الخلافات تفسد ترابطكم وتوحدكم ، ولا تتركوا لكل الخطابات والتوجيهات المشبوهة والمرفوضة أن تأخذكم إلى خارج ثقافة الإسلام المعتدل والمنفتح ، ليس مهما” زيارة الكنائس وإلقاء المحاضرات فيها إذا ما تلاقى أهل البيت الواحد حول قضاياهم ، فكيف لمن يعجز أن يوفق أهل داره أن يوفق مع الآخرين .

أقول قولي هذا وأستغفر الله الّذي لا إله إلاّ هو ، وأسأله تعالى أن يجعل المحبة في القلوب عامرة … والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

الأسبوع المقبل : رجال الدين .. ودورهم في الجالية

الشيخ محمد الحاج حسن

ديربورن

  • Share/Bookmark

أضف تعليق.