نستذكر الإرث العلمي والفكري الّذي تركه لساحتنا ومجتمعنا المرجع التنويري السيد محمد حسين فضل الله رحمه الله وهذه إحدى ندواته المباركة في الشام :

لقد تحدّثنا كثيراً عن حياة السيّدة فاطمة الزهراء(ع)؛ هذه المرأة العظيمة. ونحن نلتقي في ذكراها، أحبُّ أن أشير إلى عدّة لقطات في حياتها(ع)، في عملية مقارنة بينها وبين مريـم بنت عمران(ع)، ولكن ليس من ناحية التفضيل، لأنَّ ذلك ليس من شأن البحث الّذي يريد أن يركّز على حركة الواقع، بل هو أمرٌ يرجع فيه إلى اللّه، وقد وردت عدّة أحاديث في هذا الجانب. وبعبارة أخرى، أريد أن أركّز على دراسة شخصيّة الزهراء(ع) مقارنة بشخصيّة السيِّدة مريـم(ع).

مقارنة الزّهراء(ع) بمريـم(ع)

عندما نقرأ حديث القرآن الكريـم عن السيِّدة مريـم(ع)، فإنَّنا نجد أنَّ اللّه اصطفاها وطهّرها واصطفاها على نساء العالمين، حيثُ جعلها أمّاً لعيسى(ع)، وآيةً من آيات اللّه في ولادتها لعيسى(ع) من غير أب، وأنَّ الله سبحانه وتعالى {أَنبَتَهَا نَبَاتًا حَسَنًا وَكَفَّلَهَا زَكَرِيَّا كُلَّمَا دَخَلَ عَلَيْهَا زَكَرِيَّا الْمِحْرَابَ وَجَدَ عِندَهَا رِزْقًا قَالَ يَا مَرْيَمُ أَنَّى لَكِ هَذَا قَالَتْ هُوَ مِنْ عِندِ اللَّهِ إِنَّ اللَّهَ يَرْزُقُ مَن يَشَاء بِغَيْرِ حِسَابٍ}[1].

وهكذا، عاشت التجربة الصعبة، ورعاها اللّه رعاية مباشرة، حيثُ استطاعت أن تقبل على قومها لتثبت أنَّها الطاهرة العفيفة التي لا غُبار على أخلاقيتها وعفّتها، من خلال ما ألهم اللّه ولدها عيسى(ع) {قَالَ إِنِّي عَبْدُ اللَّهِ آتَانِيَ الْكِتَابَ وَجَعَلَنِي نَبِيًّا * وَجَعَلَنِي مُبَارَكًا أَيْنَ مَا كُنتُ وَأَوْصَانِي بِالصَّلاةِ وَالزَّكَاةِ مَا دُمْتُ حَيًّا * وَبَرًّا بِوَالِدَتِي وَلَمْ يَجْعَلْنِي جَبَّارًا شَقِيًّا}[2].

ولـم نجد في القرآن على الأقلّ، أيّة حياةٍ متحرّكة للسيِّدة مريـم(ع)، بل كلّ ما تحدّث عنه القرآن هو {وَجَعَلْنَاهَا وَابْنَهَا آيَةً لِلْعَالِمِينَ}[3]، {وَمَرْيَمَ ابْنَتَ عِمْرَانَ الَّتِي أَحْصَنَتْ فَرْجَهَا فَنَفَخْنَا فِيهِ مِن رُّوحِنَا وَصَدَّقَتْ بِكَلِمَاتِ رَبِّهَا وَكُتُبِهِ وَكَانَتْ مِنَ الْقَانِتِينَ}[4]، حيثُ ضربها اللّه مثلاً للذين آمنوا من الرجال والنساء، بل كانت إنسانةً في المستوى العالي من الروحية والمحبّة للّه والإقبال عليه، وكانت الإنسانة الطّاهرة العفيفة الّتي صدّقت بكلمات ربِّها وكتبه. أمّا حركيتها في الواقع، فإنَّ القرآن لـم يحدّثنا عن ذلك.

السموّ الرّوحيّ عند الزّهراء(ع)

فإذا جئنا إلى سيِّدتنـا فاطمة الزّهراء(ع)، فإنَّنا نـجد أنَّها لا تختلف عن السيِّدة مريـم(ع) في هذا السموّ الروحي الّذي كانت تعيشه مع اللّه، فكانت تقوم اللّيل حتّى تتورّم قدماها، كما يتحدّث ولدها الإمام الحسن(ع)، وكانت تدعو للمؤمنين والمؤمنات قبل أن تدعو لنفسها، وعاشت حياتها مع اللّه، كما عاشت مع رسول اللّه ووليّه، اللّذين تميّزا عن المجتمع من حولهما كما جاء في الآية الكريمة: {إِنَّما يُريدُ اللّهَ لِيُذْهِبَ عَنْكُمْ الرِّجْسَ أَهْلَ البَيْتِ وَيُطَهِّرَكُمْ تَطْهِيـراً}[5]. فكما طهّر اللّه مريـم(ع) {إِنَّ اللّهَ اصْطَفَاكِ وَطَهَّرَكِ}[6]، فإنَّه طهّر فاطمة(ع) إلى جانب أبيها وبعلها وبنيها. وكما أنَّ اللّه اصطفـى مريـم اصطفـاءً، لتكون موقعاً لآيتـه، وهي ولادة عيسى(ع)، فإنَّ اللّه سبحانه وتعالـى اصطفى السيِّدة فاطمة الزهراء(ع) على لسان نبيّه، لتكون سيِّدة نساء العالمين، فهناك حديثٌ يقول إنَّها: “سيِّدة نساء أهل الجنّة”[7]، بمعنى أنَّ كلّ النساء اللّواتي يدخلن الجنّة، ستكون الزهراء سيِّدتهن.

حياة إسلاميّة متحرّكة

أمّا حياتها المتحرّكة، فإذا كانت السيِّدة مريـم(ع) قد احتضنت السيِّد المسيح(ع)، وربّته، وأعطته الحنان كلّه والعاطفة كلّها، وعاشت آلامـه كلّها عندما عُذِّب وأُريد له أن يُصلب: {وَمَا قَتَلُـوهُ وَمَا صَلَبُـوهُ وَلَكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ}[8]، فإنَّ السيِّدة الزّهراء(ع) عاشت منذ طفولتها الأولى آلام رسول اللّه(ص)، وتفاعلت مع هذه الآلام، وكانت كما تقول كتب السيرة، تستقبل رسول اللّه(ص) عندما يعود من المسجد، والقوم قد ألقوا أمعاء الجزور على ظهره، فكانت تستقبله بكلِّ بكاء الحنان والعاطفة، وتغسل ذلك عنه.

وكانت تعيش وحدة رسول اللّه(ص) في طفولته عندما فقد أباه وأمّه، ووحدته بعد أن فقد أمّها أمّ المؤمنين خديجة(ع)، فكانت فاطمة(ع) تعيش هذه الحركيّة النبويّة في كلِّ وجدانها وكيانها، وتُعطي رسول اللّه(ص) كلّ ينابيع الحنان المتفجّرة من قلبها، بحيثُ عوّضته عمّا فقده من حنان أمّه. وهكذا، أعطاها رسول اللّه(ص) كلمته الخالدة “إنَّها أمّ أبيها”، فلقد شعر بأمومة ابنته له، لا أمومة الجسد، ولكنَّها أمومة الرّوح والحنان والعاطفة.

ورأينا كيف أنَّها هاجرت مع الفواطم من مكّة إلى المدينة، بكلِّ ما كانت تحمله هذه الهجرة من معاناة وآلام، لأنَّ المهاجرين لـم يكونوا يعرفون ما هم مقبلون عليه، فالتحدّيات من ورائهم من قبل قريش، ولا يعرفون ماذا يواجههم من تحدّيات جديدة في الموقع الجديد، وإن كانت يثرب قد تحوّلت إلى ما يُشبه القاعدة الإسلامية الأولى، بعد أن دخل الكثير من الأنصار في الإسلام، وبايعوا رسول اللّه(ص) على أن يمنعوه مما يمنعون به أنفسهم وأهلهم.

حركتها في المدينة

ودخلت المدينة مع رسول اللّـه(ص) ومع علـيّ(ع)، وكانت مع عليّ(ع) تعيش في بيت رسول اللّه(ص)، فلم يكن لعليّ(ع) بيـتٌ غير بيـت النبيّ(ص)، وتزوّجت عليّاً(ع)، وبدأت معاناتها في الجهد الّذي كانت تبذله مع أولادها، في الفقر الّذي كان يطبق على هذا البيت المبارك، وكانت تُمارس أعمال البيت بنفسها، حتّى إنَّها تقاسمت مسؤوليّات البيت مع عليّ(ع)، فكان عليها أن تطحن وتعجـن وتخبـز، وكان على عليّ(ع) أن يستقي ويحتطب ويكنس البيت. فمن منكم مستعدّ لأن يكنس بيته أو يُعاون أهله في الشؤون المنـزليّة؟ حتّى إنَّهما ذهبا إلى رسول اللّه(ص) ليطلبا خادماً لها، فعلّمهما رسول اللّه(ص) تسبيح الزهراء، وكأنَّه أراد لهما الرّاحة الروحيّة التي تستوعب التعب الجسدي وتمتصه.

وكانت الزّهراء(ع) في حياة رسول اللّه(ص) تبذل جهد الدّعوة والتربية، وكانت تستقبل نساء المسلمين، لتحدّثهم عمّا تعلّمته من رسول اللّه(ص) وما ألهمها اللّه إيّاه، وبذلك، كانت حياتها حياة متحرّكة، بحيث كانت توزّع جهودها بين أبيها الّذي كان بيتها قاعدةً له، وزوجها الذي كان ينطلق بين وقتٍ وآخر إلى الحرب، ليعود وهو يحمل وسام الانتصار، وأبنائها الّذين ربّتهم تربية رائعة، والمجتمع المسلم الذي كانت ترعاه في شقّه النسوي، لأنَّ الزّهراء(ع) كانت تحمل علم رسول اللّه(ص) في وجدانها، وكانت تتحسّس مسؤوليّتها عن هذا العلم، حتّى إنَّ أبا جعفر بن جليل الطبري في كتابه (دلائل الإمامة)، ذكر أنَّ جاريتها أو خادمتها أضاعت بعض أوراقها، فقالت لها: “اطلبيها، فإنَّها تعدل عندي حسناً وحسيناً”[9]، ما يوحي بمزيد الاهتمام بالعلم الّذي أخذته عن رسول اللّه(ص).

علاقة فاطمة(ع) بالنبيّ(ص)

ولا بُدَّ من الإشارة إلـى أنَّ العلاقة بين فاطمة(ع) ورسول اللّه(ص) كانت أكثر من علاقة ابنة بأب، فقد نقل لنا تاريخ سيرتـها، أنَّها كانت إذا دخلت على رسول اللّه(ص)، قام من مجلسه واستقبلها وقبّل يدها، وكان رسول اللّه(ص) إذا دخل عليها، استقبلته وقبّلت يده. وهذا النوع من العلاقة قد لا يكون مألوفاً بين الأب وابنته، ولذا، فنحن نستوحي من ذلـك، أنَّ رسول اللّـه(ص) في الوقت الّذي كان يعيش حبّه للزّهراء(ع)، كان يحمل احترامه لها، لما يعرفه من ملكاتها الرّوحيّة، ومن ثروتها الثقافيّة، ومن إخلاصها للّه وللإسلام والمسلميـن. ونعرف حركية هذه العلاقـة في روح الزهراء(ع)، وذلك عندما احتضر النبي(ص)، فقد ضمّها إلى صدره، فبكت عندما أخبرها أنَّه سوف يُفارق الحياة قريباً، ثُمَّ ضمّها إلى صدره فضحكت، لأنَّه أخبرها أنَّها أوّل أهل بيته لحوقاً به. فتصوّروا امرأةً، أمّاً كانت أو زوجةً، يُخبرها أبوها بأنَّها ستموت في وقتٍ قريب وتلحق به، فإذا هي تشعر بالفرح والسرور، فأيّة علاقة هي هذه العلاقة بين الأب وابنته؟!

الدّفاع عن الولاية

أمّا بعد رحيل الرسول(ص)، فنحن نعرف أنَّ الزهراء(ع) عاشت أزمة لـم تعهدها امرأة من المسلمين منذ كان الإسلام، حتّى إنَّ الجاهليّة لـم تحدّثنا عن مأساة امرأةٍ كما تحدّث التاريخ عن مأساة الزهراء(ع)، فقد أبعدت الخلافة عن عليّ(ع)، وهي حقّه الذي يستحقّه، وخشي القوم من المعارضة، كما نسمّيها في هذه الأيام، وهدّدوا بإحراق البيت إذا لـم يخرج المعارضون منه، وهم عليّ(ع) والزبير والعبّاس وجمعٌ من بني هاشم، الّذين اجتمعوا في بيت عليّ(ع) وفاطمة(ع) للتّداول في الأمر، وقيل للّذي هدّد بالهجوم: كيف تهدّد بإحراق البيت وفيه فاطمة(ع)؟ فكان جوابه: وإن!! فقد سقطت عنده كلّ المحرّمات.

ويختلف المؤرّخون في مسألة دخول البيت: هل دخلوه وكان ما كان، أو لـم يدخلوه؟ وهذه مسألة متروكة للبحث والتحليل التاريخي، فهناك من العلماء من يتحفّظ في ذلك، وهناك من العلماء ـ وهو المشهور بين الشيعة ـ من يقول إنَّهم دخلوا وفعلوا ما فعلوا من المآسي والمظالـم.

وفي هذا المجال، نشعر بأنَّ الزهراء(ع)، أيّاً كان الّذي حدث لها، لـم تتحدّث عن ذلك أبداً، ولـم يتحدّث عليّ(ع) عن ذلك أبداً، بل كان كلّ همّ الزّهراء(ع)، هو كيف تستقيم قضية الحكم في الإسلام بعد رسول اللّه(ص)، لأنَّها كانت ترى أنَّ عليّاً(ع) وحده هو المؤهّل ليسير بالمسلمين في الصّراط المستقيم، لأنَّها تعرفه؛ تعرف علمه وزهده وشجاعته وحكمته وإخلاصه للّه ولرسوله، وتعرف محبّته للّه ولرسوله ومحبّة اللّه ورسوله له، وكانت تعرف أنَّه ليس هناك في المسلمين من يملك كلّ هذه الصفات التي تمتدُّ في خطِّ الرسالة كما تمتدُّ في خطِّ الواقع السياسي. لذلك، كان كلّ حديثها عن أبي الحسن(ع)، ومنه قولها: “وما الّذي نقموا من أبي الحسن؟ نقموا منه والله نكير سيفه، وقلّة مبالاته بحتفه”[10]. وقد تحدّثت في ذلك مع نساء المهاجرين والأنصار ومع رجالهم، وتحدّثت عن ذلك في خطبتها في المسجد النبويّ، لأنَّ المسألة كانت عندها مسألة الإسلام كلّه… وكانا يلتقيان معاً هي وعليّ(ع) في هذا الخطّ: “لأسلّمنَّ ما سَلِمَتْ أمور المسلمين، وَلَمْ يكُن فيها جورٌ إلا عليَّ خاصةً”[11]. وكانت تريد أن تقيم الحجّة على المسلمين في عليّ(ع)، ولذلك، نسيت آلامها كلّها وظلاماتها كلّها.

وعندما تحدّثت عن فدك، فإنَّ (فدك) لـم تكن قيمة كبيرة عندها، فلقد كانت إرثها أو نحلتها، لكنَّها تحدّثت بقوّة وصراحة، لتسجّل نقطةً في هذا الاتجاه، لتقول للقوم إنَّكم لـم تصدقوا مع رسول اللّه(ص) فـي هـذا، وخالفتم كتاب اللّه في ذلك، وقد قال عليّ(ع): “ومـا أصنع بفدك وغير فدك، والنّفس مظانّها في غدٍ جدث!”[12]، لأنَّ أهل البيت(ع) لا يفكّرون في الدُّنيا، وإنَّما يفكّرون في الآخرة.

أمّا ما يتحدّث عنه البعض، أنَّها عاتبت عليّاً(ع)، وقالت إنَّها “بُلغة ابنيّ”، فهو حديثٌ ليس صحيحاً، لأنَّ الزّهراء(ع) أكبر من ذلك، فهي عندما رأت أنّ رسول اللّه(ص) في حياته لـم يرتح للكساء الجديد الّذي وضعته على باب بيتها، وقد أهداه عليّ(ع) لها، نـزعته عن الباب، وأرسلت به إلى رسول اللّه(ص) وهو في المسجد مع ولديها الحسنين(ع). وعندما رأى رسول اللّه(ص) ذلك، هزّته الأريحيّة، وقال: “فداها أبوها.. فداها أبوها.. فداها أبوها، ما لآل محمَّد وللدُّنيا، إنَّهم خلقوا للآخرة”[13]. فلذلك، كانت تفكّر في الآخرة، وعندما كانت تفكّر في الدُّنيا، فمن خلال الدُّنيا التي تخطِّطُ للآخرة، والتي تتحوّل إلى آخرة، من خلال البرنامج الذي وضعه اللّه ورسوله للسير في هذا الخطّ.

أسلوب خطابي جديد

وعندما ندرس خطبتها في المسجد النبويّ، فإنَّها كانت أوّل خطبة تُبدع أسلوباً جديداً لـم يعرفه النّاسُ في ذلك العهد، فنحن ندرس في هذه الخطبة، أنَّها أعطت تفسيراً لأكثر من تشريع من التشريعات الإسلاميّة، مما يتّصل بالعبادة، أو بالعلاقات الإنسانيّة، أو بالمنهج الإسلامي. ونُلاحظ أيضاً، أنَّها قدّمت للمسلمين في خطبتها دراسةً عن الواقع السلبي الّذي تمثَّل في المرحلة التي أعقبت وفاة رسول اللّه(ص)، ما دلّل على أنَّ الزهراء(ع) قدّمت تقريراً سياسياً عن المرحلة التي كان يعيشها المسلمون بعد رسول اللّه(ص). ولأوّل مرّة، تدخل في جدلٍ فقهي قرآني في إثبات مسألة إرثها، فقد قدّمت القرآن في آياته التي دلّت على أنَّ الأنبياء(ع) يورّثون أبناءهم وذرّيتهم المال، ورسول اللّه(ص) ليس بدعاً من الرسل، ولذلك، فإنَّ القرآن يُخالف قولهم: “نحن معاشر الأنبياء لا نورّث، ما تركناه صدقة”، لأنَّ الله سبحانه وتعالى يقول: {وَوَرِثَ سُلَيْمَانُ دَاوُودَ}[14]. وقوله تعالـى: {فَهَبْ لِي مِنْ لَدُنْكَ وَلِياً * يَرِثُني وَيَرِثُ مِنْ آلِ يَعْقُوبَ}[15]. لذلك، فإنَّ هذا الأسلوب الفاطمي؛ أسلوب الجدل الفقهي القرآني في مواجهة فكرة فقهيّة أخرى، لـم يكن معروفاً في حياة المسلمين من قبل.

كما أنَّ أسلوب الإثارة الذي حرّكته الزهراء(ع) من أجل إثارة مشاعر المسلمين وعواطفهم، وأسلوب العتاب الذي عاتبتهم به، لأنَّهم لـم يحفظوا رسول اللّه(ص) في أهله وعقبه، كان أسلوباً غير معهود. ولهذا، فإنَّنا نعتقد أنَّ خطبة فاطمة الزهراء(ع)، تُعتبر وثيقة إسلاميّة علميّة سياسيّة جدليّة، استطاعت أن تؤكّد المفاهيم التي أرادت تركيزها في حياة المسلمين. وعندما نقرأ الردّ الذي رُدَّ عليها فيه، فإنَّه لا يخرج عن كونه ردّاً عاطفياً، من دون الدّخول في مناقشة للقضايا التي أثارتها.

ومن خلال ذلك، نعرف أنَّ الزّهراء(ع) كانت الإنسانة الحركيّة التي لا تجلس في بيتها لتندب حظّها وتبكي مأساتها، ولكنَّها كانت تتحرّك في المجتمع من أجل أن تصدم الانحراف الذي عاشه المجتمع، ومن أجل أن تُطلق الصّرخة الإسلاميّة، لتهزّ المجتمع من أعماقه بطريقة علميّة تارةً، وعاطفيّة تارةً أخرى.

ومن خلال ذلك أيضاً، نعرف أنَّ الزّهراء(ع) كانت تحمل علماً جمّاً، ولو امتدّت بها الحياة، لرأى المسلمون منها الكثير الكثير مما تفيض به من علومها التي أخذتها عن رسول اللّه(ص)، لأنَّها كانت في حياتها مع رسول اللّه(ص) تغرف من بحر علمه، وتتحرّك في خطِّ أخلاقه، وتعيش آفاق روحانيّته، ولهذا، كانت بضعةً منه: “فاطمة بضعة مني”[16]، فعقلها بضعةٌ من عقله، وقلبها بضعةٌ من قلبه، وطاقاتها بضعةٌ من طاقاته، وروحانيّتها بضعةٌ من روحانيته، فليست كلمة “بضعة مني” تعني مجرّد أنَّها ابنته، ولذلك قال: “يؤذيني ما آذاها، ويريبني ما يريبها، ويبسطني ما يبسطها”، لأنَّها كانت منه بمنـزلة الروح من الجسد، كانت شيئاً منه بكلِّ ما تعنيه ذاته المقدّسة، حتّى إنَّها كانت في وعيها السياسي تريد أن تسجّل احتجاجها الأخير لتُثير التساؤل، فأوصت عليّاً(ع) أن يدفنها ليلاً.. وليست المسألة مجرّد أذى شخصيّ كما يوصي الإنسان بأن لا يحضر فلان جنازته من خلال عقدة شخصيّة، وإنَّما أرادت أن تسجّل احتجاجاً أخيراً بعد الموت، كالاحتجاج الكبير قبل الموت، ليتساءل النّاس: لماذا أوصت بذلك؟ لماذا دُفنت ليلاً، وكلّ المسلمين يحبّونها، وكان حبّهم لها ليس فوقه إلا حبّهم لرسول اللّه(ص)؟ والدّليل على ذلك، أنَّ الرّجل عندما هدّد بإحراق البيت، لـم يقل الّذين حوله إنَّ فيه عليّاً(ع)، ولـم يقولوا إنَّ فيه حسناً وحسيناً، بل قالـوا إنَّ فيه فاطمة، أي كيف تحرقه وفيه فاطمة؟! ما يدلّ على أنَّ للزّهراء(ع) مكانة في نفوس المسلمين بالمعنى العاطفي للمكانة. لذلك، كانت تريد أن تثير التساؤل، فلعلّه يفتح نافذة من الوعي لدى المسلمين الذين ابتعدوا عن خطِّ الاستقامة في الحكم الإسلامي.

ومن خلال ذلك كلّه ـ أيُّها الأحبّة ـ نعرف أنَّ السيِّدة الزهراء(ع) تلتقي بالسيِّدة مريـم(ع) في طهرها وروحانيتها وإخلاصها لربِّها، واصطفاء اللّه لها بطريقة وبأخرى، ولكنَّها كانت تتميّز عنها، بأنَّ حياتها كانت متحرّكة في خطِّ الرّسالة، فقامت بأداء الرّسالة في رعايتها لأبيها رسول اللّه(ص)، ورعايتها لزوجها وليّ اللّه(ع)، وتربية ولديها الإمامين الحسنين(ع)، وإنتاج بطلة كزينب(ع) على مستوى المستقبل، وأداء الرّسالة في توعية المسلمات، ومواجهة كلّ تحدّيات الانحراف في الواقع. وتلك هي ميزة الزّهراء(ع) عن السيِّدة مريـم(ع) عندما نريد أن نتصوّر حياة هذه وحياة تلك، وهما معاً حبيبتان للّه قريبتان إليه.

الاقتداء بالزّهراء(ع)

وعندما نريد ـ أيُّها الأحبّة ـ أن نثير ذكرى السيِّدة الزّهراء(ع)، سواء في مولدها أو في وفاتها، فإنَّ العبرة من هذا الدّرس، هي أن تتحرّك المرأة المسلمة من أجل أن تكون المرأة التي ترتفع بروحانيّتها إلى اللّه، وتعبد اللّه، وتعيش إنسانيّتها بالتفكير في الآخرين قبل التفكير في نفسها، وتعيش ثقافة الإسلام وثقافة الواقع السياسي، وتتحرّك بحسب ظروفها لتدخل الواقع الإسلامي الذي يواجه التحدّيات، سواء كانت ثقافية لتقدّم ثقافتها في وجه هذه التحدّيات، أو اجتماعية لتقدّم خبرتها الاجتماعية في خطّ المواجهة، أو سياسية لتقدّم وعيها وثقافتها لمواجهة التحدّيات السياسية في ذلك، فالمرأة إنسان كما هو الرّجل.

وإذا كنّا نتحدّث عن ضرورة التزام المرأة بالمنهج الأخلاقي في سلوكها في الحياة، فإنَّ المنهج الأخلاقي ليس ضريبةً على المرأة، بل هو للمرأة وللرّجل معاً، فقول النبيّ(ص): “إنَّما بُعثت لأتـمّم مكارم الأخلاق”[17]، هو للمرأة وللرّجل معاً، فإذا كانت المرأة مسؤولةً عن العفّة، فإنَّ الرّجل أيضاً مسؤول عن العفّة، وإذا كانت المرأة مسؤولة عن حفظ نفسها من الانحراف، فإنَّ الرّجل مسؤول عن حفظ نفسه من الانحراف، فليس هناك فرقٌ في الجانب الأخلاقي لدى المرأة والرّجل. لذلك نقول، إنَّ الإسلام قدّم أمَّ المؤمنين خديجة الكـبرى(رض) الّتي دعمت النبيّ(ص) في رسالته بكلّ ما عندها من قوّة، وقدّم السيِّدة الزّهراء(ع) لتكون مع رسول اللّه(ص) ومع زوجها وابنيها في خطّ الإسلام، وقدّم لنا السيِّدة زينب(ع) بطلة كربلاء، ليقول لنا إنَّ علينا أن نواجه التحدّيات الكبرى التي تأتينا من الرّجال ومن النساء في خطّ الكفر والاستكبار، لنقدّم الرّجال والنساء في خطّ الإسلام. وسلام اللّه على السيِّدة الزهراء(ع) وعلى أبيها وبعلها وبنيها، ورزقنا اللّه شفاعتها.

* ندوة الشام الأسبوعيّة ـ فكر وثقافة

  • Share/Bookmark

أضف تعليق.