٢٧ تشرين الثاني ٢٠١١
::علي الأمين::

ذكرى عاشوراء التي تستعاد ذكراها في مثل هذه الايام مع بدء كل سنة هجرية، منذ العام 64 هجري، يستذكر الاحرار فيها، والمسلمون والشيعة منهم بشكل أخصّ، هذه الذكرى ويحتفون، ويستعيدون سيرة موقعة كربلاء التي استشهد فيها الامام الحسين والعشرات من اهل بيته واصحابه تحت سيف السلطة الاموية قبل نحو 14 قرنا. واذا كانت هذه السيرة والذكرى مؤسّسة ولم تزل فاعلة في الوجدان الانساني، فذلك باعتبارها تمثل ذروة قضية صراع الحق والظلم، ولأنها تمثل حركة اصلاح في التاريخ الاسلامي، شكلت منطلقا ومثالا لكثير من الثورات التي شهدها التاريخ الاسلامي والانساني ضد السلطات المستبدة ولا يزال، ومثّلت نموذجا استلهم منه الكثيرون دروب الاصلاح والتجديد في المجتمعات الاسلامية، وأبعد…

في استلهام الذكرى يستحضر قول الامام الحسين العنوان الاساسي من عناوين نهضته في كربلاء: “ما خرجت اشرا ولا بطرا… انما خرجت طلبا للإصلاح في امة جدي”.

لم يكن الحسين آنذاك يتصدى لدور الخلافة الاسلامية على صعيد قوتها ونفوذها بين الأمم، ولم يعرف عنه انه تصدى لـ”سياستها الخارجية” بلغة اليوم، او حاول التهوين من موقع الامة الاسلامية الناهضة في ذلك الحين. لم يكن بطبيعة الحال طامحا إلى السلطة، ولا مترددا حيال ازدراء مغرياتها، او كان متهيبا الوقوف في وجه ارتكاباتها. كما لم يكن انتحاريا، بل كان يفكر ويتحرك كصانع للتاريخ، مستثمرا زمنه الخاص، ليضع اسس السلطة وحدودها وشرعيتها في الوقت الذي بدأت تضفي قداسة الدين على السلطة البشرية، ولو كانت متجلببة بجلباب الدين.

من هنا اتهم الحسين بأنه خرج على إمام زمانه، لذا قتل “بسيف الاسلام” كما قالت السلطة آنذاك، لا سيف اعداء الامة او الدين. وبهذا المعنى لم يكن التشيّع مذهبا فقهيا في الاسلام، بل كان خيارا اصلاحيا في مواجها السلطة الاموية، اي ان التشيع مثّل رؤية سياسية مستلهمة من الدين ترى الى مسألة الحرية في مواجهة السلطة، أكانت دينية او زمنية، حقا مشروعا، وان مواجهة الظلم واجب، وان تعددت وجوهه. من هنا لم يقتل الحسين الا لانه لم يبايع خليفة رأى من موقعه الفردي وكإمام انه، أي يزيد بن معاوية، ليس اهلا للخلافة، معللا موقفه باسباب قاطعة منها ان يزيد ظالمٌ وقاتلٌ للنفس المحرمة، وقال إنّه لا يبايع قاتلا.

لم ينطق الحسين بكلمته هذه الا عندما طلب منه ان يبايع يزيد، وهو كذلك كان يدرك ان مؤسسة الخلافة التي قادت الامة الاسلامية وتصدت لاعداء الخارج تواجه تحديات شتى، وكان مدركا ومعتقدا ان دعوته اصلاح السلطة وتثبيت شروط العدل والمساواة والحرية في داخلها لا تتعارض ومهمات مواجهة التحديات الخارجية. ببساطة شديدة لم يتنازل الحسين واصحابه عن حقوقهم الفردية او واجبهم في حماية هذه المبادىء، المؤسسة للاسلام، بذريعة ان العدو الخارجي يتربص بالأمة. وهي مقولة مستمرة على لسان اي سلطة حين تواجه تحديا داخليا يهدف الى اصلاحها واصلاح ما فسد فيها وما افسدته.

وفي هذا السياق لا بد من التأكيد ان محاولات تشويه هذه النهضة الحسينية لم تتوقف ولم تنجح، فهي محاولات بدأتها السلطة الاموية، عبر محاولة ادراجها كحركة تهدف الى شق عصا طاعة الحاكم، وحركة خروج على الدين، والى ما هنالك من اوصاف… هي كذلك تتعرض لتشوهات في زمننا الحاضر، اذ ساهم الجهل والاستغلال والعزل في محاولة تحويل الذكرى من مناسبة تنتمي الى رحابة الاسلام والمدى الانساني المتنوع، الى ذكرى يجري عزلها عن هذا المدى. فكثير من السلطات التي حكمت في التاريخ الاسلامي، وحتى بعض الحاكمة اليوم، استخدمت موقعة كربلاء وعنوان الثأر للحسين من اجل الاستيلاء على السلطة.

والعباسيون اسقطوا الدولة الاموية بشعار “ياالثارات الحسين”. فيما كانت قضية الحسين تبقى حاضرة باعتبار ان السلطات لم تستطع اسرها او كتمها، لأنها ببساطة قضية حرية وعدل واكثر… وليست قضية حزب او ملك سلطة دينية او غير دينية. هي ملك الناس مؤمنين وغير مؤمنين. هي قضية الدين الذي لا يمكن ان تمتلكه سلطة ولا تختصره. هي شهادة ممن كانت مغريات السلطة رهن غض طرف عن قناعة لديه، وشهادة ممن لم تقعده او تسكته عن الحق فتوحات وانتصارات الظالم. هو فكرة جسّدها انسان وصارت ملهمة الساعين إلى الاصلاح اينما كانوا. هي فكرة لا يمكن ان تنتمي الى عصبية قبلية. هي عصب الحرية والحق وليست حق العصبية. هي نهضة لها ارثها في وجدان كل مظلوم وحرّ يناضل من اجل اسقاط سلطة الاستبداد ايّا كان مصدره. وكربلاء ليست جغرافية، بل هي كل ارض يقف عليها ثائر ضد الظلم. وعاشوراء ليست زمنا محددا، بل هي كلّ زمن تؤكد فيه الكلمة الحرة انتصارها على مصادرتها.

كلّ يوم يقتل فيه مظلوم: عاشوراء، وكلّ أرض مظلومين أهلها: كربلاء.

المصدر : البلد
  • Share/Bookmark

أضف تعليق.