٢٧ ايار ٢٠١٢
::فارس خشّان::

هناك!

فوق!

في الرحاب التي يموت فيها الموت، إحتفال عظيم!

وصل نصير الأسعد!

وصل الدمث والواضح. وصل المتواضع والصلب. وصل المُفرِح والجدي. وصل المتكلم والمُنصت. وصل الفقير والمكتفي. وصل الوديع والحكيم. وصل المقدَر والمقدِر.وصل المؤمن والمنفتح.

هناك! فوق! في تلك الرحاب، احتفال عظيم!

هنا. تحت. في النفق المختنق بالجثث، حزن كبير. أحد صانعي الأحلام بغد مزهر ومزدهر وآمن وراق وعادل ومستقر ومنفتح، قد رحل.

هنا. تحت. حيث الأفق مسدود بالدم وبالسفّاحين، قلق عميم. أحد قديسي الثورة اللبنانية، وأحد المبشرين بالربيع العربي، وأحد مبلوري فكر الإطاحة بطاغية دمشق، وأحد المحركين للبنة “حزب الله”، وأحد المتبرعين بكل ما فيه من أوكسيجين لضخ الحياة في جسد 14 آذار العليل، قد رحل!

نصير الأسعد خسارة لبنانية فادحة. فكر ناضج. رؤية واضحة. نضال لا يهدأ. قلم أخضر. والأهم شجاعة لم تشِخ!

من قلّة، لم تهادن النظام الأمني اللبناني- السوري، يوما. لا فنجان قهوة كان يُغريه، ولا ترهيب كان يثنيه.

من نخبة عرفت العروبة من منظارها الحضاري، وآمنت بلبنان عمودا فقريا لها!

لم ينظر الى الآخر على أساس ” الهوية الطائفية”، طائفته كانت خيارا وطنيا. ثمة من يعيش مهزوما. نصير الأسعد مات منتصرا، لأنه لم ييأس من معتقداته اللبنانية!

مع اغتيال رفيق الحريري، اغتيل الكثير من نصير الأسعد… لأن رفيق الحريري لم يكن بالنسبة اليه مجرد رجل… بل كان ضمانة!

أسرار كثيرة إئتمنه عليها رفيق الحريري !

كان خصوم رفيق الحريري يُدركون ذلك، فحمّلوا نصير الأسعد رسائل الإغتيال التي ستترجم نفسها في ذاك الرابع عشر من آذار 2005!

قليلون هم الذين يعرفون أن نصير الأسعد شاهد اعتمدته المحكمة الخاصة بلبنان، قبل أشهر، وبكل بسالة وافق. كثيرون ممّن يربطون حقيقة ما يعرفون بمصالحهم وبعواطفهم، تراجعوا أو رفضوا.

نصير الأسعد لم يتراجع يوما عما يؤمن به!

مات الشاهد…لكن شهادته خالدة!

تعب. مرض. هرم قلبه. أُتلفت أعصابه. غضب. إستاء. شحبت سحنته. لكن روحه بقيت نضرة، بتلك النضارة التي يشتهيها … الفردوس!

متاعب الصحافة قاطعت طريقنا، مرات ومرات، ولم تقطعها!

رؤيتنا الوطنية جمعتنا، في الدمعة والإبتسامة، في الحرقة والنشوة، في الظلم والمكافأة، في التجني والتقبل!

إختلافاتنا لم تكن بديهية!

حسن النية، كان يدخلني بخصام فكري، مع رجل أحسن القراءة!

لم أكن أخسر أبدا،لأن النظرة الى البعيد كانت بحاجة الى بصيرة … نصير!

وحده نصير الأسعد يعرف أسراري. كان يرتأي ما يتقاسم منها مع أصحاب … العلاقة!

في آذار الماضي، أتى الى باريس، فجأة. كأنه كان آت الى …الوداع!

أتذكر الآن ، وقائع الأيام الأربعة التي أمضيناها معا!

في كلماته كان هناك الكثير من الوصايا، كتلك التي أودع بعضها في معراب، في آخر اجتماع موسع حضره هو لقوى 14 آذار!

وفي حيثيات لقاءاته المكثفة مع الرئيس سعد الحريري، كانت هناك لائحة الوداع!

بدا أنه، ولكثرة ما تفاعل مع قضاياه، أرهق عضلة قلبه، حتى قتلته!

يقضي نصير الأسعد مفترى عليه!

شتامو هذا الزمن البذيء ممن أمسكهم القتلة أقلاما، تخصصوا به !

هذا الـ” غوغل” اللعين،الذي لا يمّز الصحيح من الخاطئ، والكاذب من المحق، والفكر من الدس، يحفظ ضده إفتراءات الحثالة!

عاش صديقا- كريما!

مات فقيرا- أبيا!

لن تجد عائلته مالا لترث ولا عقارات لتتقاسم ، بل ديونا لتفي استحقاقاتها الشهرية.

لكن الإرث الذي تركه عظيما. ليس من السهل أن يرث الأبناء …إسما!

هناك. فوق. نصير الأسعد يجد ما سعى اليه هنا. تحت. لم يهدأ في البحث عن الفردوس المفقود. الآن وجده ..حتما!

برحيله، سنتعب نحن!

خسرنا محركا أساسيا!

معركتنا ستشتد صعوبة ضد خاطفينا، بوجود هؤلاء المرضى المصابين بعقدة استوكهولم.

ولكن موت نصير سيشد أزرنا. نصير قال لنا إن الموت لا يكون حصرا قتلا، فعضلة القتل عبوة ناسفة… أيضا!

هنيئا لك ، يا أخي وصديقي ، هذا الإستقبال هناك. فوق.

هنيئا لك ، يا حبيب، هذا الوداع ، هنا. تحت!

شكرا لك، يا حبيب، على المعادلة الرائعة التي تركتها لنا،إرثا، عن أن الحكمة هي الوجه الآخرلـ… لشجاعة !

  • Share/Bookmark

أضف تعليق.